مقايضة الدّيون بالاستثمارات... تونس بين أمل الإنقاذ ومخاطر "الارتهان"
في خطوة أثارت جدلاً واسعاً خلال الأيام الأخيرة، تستعد تونس لإبرام اتفاقيات مقايضة ديون مقابل مشاريع استثمارية قبل نهاية العام الجاري.
وناقشت الحكومة التونسية مؤخراً آلية "مقايضة الديون مقابل الاستثمارات" التابعة للأمم المتحدة، وأوصى مجلس وزاري بتجسيد مشروع مبادرة لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا (الإسكوا)، وإحكام التفاوض بشأن البرنامج النموذجي للمشاريع المقترحة مع الشركاء الدوليين.
دفع الاستثمار
تتضمن مبادرة "الإسكوا" مقايضة الديون الخارجية باستثمارات تهدف إلى تمكين الدول الأعضاء، ومن بينها تونس، من تمويل مشاريع تتكيف مع التحديات المناخية.
ولم يُكشف بعد عن الدول التي سيتم إبرام اتفاقيات المقايضة معها، لكن بيان الحكومة أكد أن المشاريع ستشمل قطاعات الموارد المائية، والطاقات البديلة والمتجددة، والتصرف في محطات التطهير، وإصلاح منظومة الغابات، وحماية الشريط الساحلي.
وقالت الحكومة إن هذه الآلية ستخفف من وطأة المديونية، وتدفع التنمية في قطاعات حساسة، وتمكّن من تحسين سبل العيش في المناطق الأكثر فقراً وهشاشة، وتعزز الإدماج الاقتصادي للفئات الضعيفة، وتخفض مستويات الفقر، وتقلص فجوة التفاوت بين الجهات.
وسبق لتونس أن لجأت إلى هذه الآلية في مناسبات عدة خلال العقدين الأخيرين، إذ أبرمت اتفاقيات مقايضة مع كل من فرنسا وألمانيا والسويد وإيطاليا. وشملت هذه الاتفاقيات مجالات التكوين المهني، والطاقة المتجددة، والصحة، والمياه، لكن عدداً من المشاريع التي تم الاتفاق عليها في هذا الإطار لم يُنجز.
معضلة المديونية
تعاني تونس ارتفاع نسبة المديونية، إذ بلغ إجمالي حجم الدين العام عام 2024 نحو 135 مليار دينار (42.056 مليار دولار)، مقابل 126.6 مليار دينار (39.439 مليار دولار) في 2023.
وبرغم ارتفاع حجم ديونها، نجحت تونس في الإيفاء بالتزاماتها، علماً بأنها لم تبرم اتفاقاً مع صندوق النقد الدولي بشأن قرض لتمويل الموازنة. فمنذ نحو عامين، توقفت المفاوضات مع المؤسسة النقدية الدولية، ومضت تونس في إقرار موازناتها دون التعويل على هذا القرض، بينما رفض الرئيس قيس سعيّد ما وصفه بـ"الإملاءات الخارجية" التي تمس السلم الاجتماعي، في إشارة إلى شروط الصندوق الموجعة، ومنها رفع منظومة الدعم.
من المديونية إلى "الارتهان"؟
ورغم أن هذه ليست المرة الأولى التي تعتمد فيها تونس آلية مقايضة الديون مقابل الاستثمارات، فإن هذه الخطوة لاقت انتقادات واسعة من خبراء اقتصاديين وفاعلين سياسيين، اعتبر بعضهم أنها قد تكون "مدخلاً للارتهان من جديد".
ويرى منتقدون أن لجوء الحكومة إلى هذه الآلية مؤشر إلى عجزها وفشلها في إدارة أزمة المديونية الخارجية. في المقابل، يعتقد بعض خبراء الاقتصاد أن مقايضة الديون بالاستثمارات، وإن كانت فكرةً إيجابية في الظاهر، لأنها توفر حلاً لمشكلة المديونية وتخلق فرص عمل واستثمارات جديدة، إلا أنه يجب الانتباه إلى طبيعة الديون التي ستتم مقايضتها.
وتحذّر الخبيرة الاقتصادية جنات بن عبد الله من هذه المبادرة الأممية، التي تعتبرها "عملية نهب أممية لثروات الشعوب".
وتقول عبد الله لـ"النهار"، إن الأمم المتحدة، من خلال هذه المبادرة، أصبحت "وكيلاً لصندوق النقد الدولي"، إذ تُستغل لمصادرة أصول الشعوب التي تعاني مديونية عالية تحت غطاء الاستثمار.
وتضيف أن هذه الآلية تتيح للدول الدائنة، عبر شركاتها الخاصة، امتلاك حصص في المؤسسات الحكومية بأسعار أقل من قيمتها الحقيقية، ما يجعلها، في تقديرها، "طريقة مقنّعة للاستيلاء على أصول الشعوب وارتهان سيادتها".
لكن الخطاب الرسمي التونسي يتمسك برفض التفويت في المؤسسات الحكومية، وهو ما يطرح تساؤلات عن مدى قدرة الحكومة على فرض شروطها أثناء التفاوض على اتفاقيات مقايضة الديون مقابل الاستثمارات.
نبض