... إلا إذا
في ضرورة أن نرى
في حين أننا نحن اللبنانيين، معظمنا في الأقل، مهووسون بالسيارات السريعة والـ"بيتش بارتيز" وعمليات التجميل، هناك أناس مشرّدون، يكافحون في سبيل سقف من قش، ولقمة خبز بائسة، وغدٍ يبدو قدومه معجزة.
فيضانات، مجاعات، أمراض، عنف على النساء والأطفال، حروب عاهرة تجري من حولنا في كل مكان: في غزّة، في اسلام اباد، في بغداد، في كابول، واللائحة تطول وتطول...
ونحن نمضي في حماقاتنا، في ادعاءاتنا، في غرائزنا، في أطماعنا، في شرورنا، في إلغائنا بعضنا لبعض، في سطحيتنا، في صورنا العظامية عن أنفسنا، وفي انعدام حساسيتنا، وغرقنا في حلقاتنا المفرغة.
نحن اللبنانيين أبطال الحلقات المفرغة.
طبعاً، لا أقول إننا لم ننل، نحن أيضاً، نصيبنا من المصائب والمآسي والكوارث. لا أقول إننا لم نذق طعم الخوف والجوع والحرمان والفقدان والقلق والرعب. لكننا، على ما يبدو، لم نتعلّم شيئاً من تلك الرحلة الى الجحيم. قد عشناها فحسب. ثم خرجنا منها (هذا إذا كنّا قد خرجنا حقاً) تماماً كما دخلناها: بالأنانيات نفسها. بالعمى نفسه. بالأخطاء نفسها. وبالاصرار ذاته على جُمَل من نوع "من بعد حماري ما ينبت حشيش" أو "عليَّ وعلى أعدائي يا ربّ".
لم نتعلّم شيئاً من تلك الرحلة الجهنمية. لم نتعلّم شيئاً البتة، على رغم أننا أحرقنا لا الأصابع فحسب، ولكن القلوب والأرواح أيضاً.
بلى تعلّمنا.
فقد تعلّمنا أن نكون أنانيين أكثر. وتعلّمنا أن نتوغل أكثر في العمى. وتعلّمنا أن نمعن في الأخطاء نفسها. وأن نزداد إصراراً على ارتكاب هذه الأخطاء، وإن وصولاً الى الموت المجاني الأحمق.
ثمة عيبٌ جسيم في أن يقع المرء في الخطأ الجسيم، لكن العيب الأعظم في أن يعاود الكرّة، وأن يعاود ذلك بسذاجة، ببراءة، أو بذكاء، وبخبث، لا فرق، كما لو أن شيئاً لم يقع البتة.
نحن اللبنانيين خبراء في ارتكاب الأخطاء الجسيمة نفسها.
نرتكب الأخطاء الجسيمة، ثم نعاود الارتكاب "على عينك يا تاجر"، لكن... بافتخار واستعلاء وعنجهية ودم بارد. فيا للعار!
هذا كلّه، في حين أن الحبل يشتدّ حول العنق، حدّ امتناع الحياة نفسها.
لعلنا نحتاج، نحن اللبنانيين (معظمنا في الأقل)، الى صاروخ ضخم ينقلنا جميعاً الى الفضاء. لعلنا نرى من هناك الأرض، أرضنا، وندرك جيداً حجمنا فيها. لعلنا نكتشف أخيرا أن ثمة ما هو أهمّ من حفنة زعماء يتناتشون سلطة باطلة وبائدة، وأفظع من عجزنا عن شراء سيارة الأحلام، وأجمل من هدم بيت قديم.
لعلنا نضع طفلاً يموت جوعاً في كفّة ميزان، وظفرنا الصغير الذي انكسر في الكفّة الثانية، فندرك أيهما يزن أكثر.
لعلنا...
جمانة حداد
joumana.haddad@annahar.com.lb
joumana.haddad@annahar.com.lb



