ما فيش فايدة !
عندما قيل إن الأرض تهتزُّ ولا تقع كان لبنان يومها غارقاً في عزّ البحبوحة والازدهار حتى في "قطاع" الرقص والفقش والطقش والكبّة والتبّولة.وكان اللبنانيّون الطموحون يتفَكّرون كيف "يمدون" مساحة لبنانهم فوق الجغرافيا الضيقة والانتشار واثبات الوجود عَبْر البحار وعَبْر الصحارى.
لم يكن ثمة وقت للبحث في الاهتزاز والوقوع، ولم يكن ثمة اعتقاد أن يوماً سيفاجئ هذا اللبنان بمن فيه بهزَّة لا تفارقه الى أبد الآبدين ودهر الداهرين آمين.
الى أن طرقت الحروب باب البيت اللبناني، وخلعته قبل أن ينهض ساكنوه ويسألوا مَنْ الطارق.
فتوالت الوقيعات، والنزالات، والاشتباكات، والانقسامات، الى أن هبَّ العرب وقالوا لعناتر الساحة اللبنانية كفى الله المؤمنين والإخوة وابناء الوطن الواحد غير الموحَّد شرَّ القتال.
لكن تلك "السقطة" كانت، على ما اتضح لاحقاً، نهاية مرحلة تشبه الأحلام ونهاية ذلك اللبنان، وبداية مرحلة قاسية تستهدف بشراسة وعنف التركيبة اللبنانية والنظام اللبناني والصيغة والميثاق والعيش المشترك.
واذا اللبنانيّون كلُّ في طريق.
واذا لبنان صائب سلام يتفتَّت الى لبنانات تكاد لا تحصى، واذا بدولة المؤسَّسات تتشقف الى دويلات ومربعات وشعوب وقبائل ومحميات وجيوش تعلن حروباً في الاتجاهات التي يطيب لها، سواء على صعيد الداخل أم في اتجاه الخارج.
وتحوَّل لبنان من جنة يحنُّ اليها كل العرب ويؤمّونها كلما سنحت لهم الفرصة، الى مشكلة دائمة لهم، ما أن يحلوا أزمة أو يعالجوا عصيانا أو يرفعوا اسلاك انقسام جديد، حتى تكون وقيعة جديدة قد أعدت عدّتها.
يكاد لا يمر شهر، وربما اسبوع، من غير هزة بدن، أو وعد بحرب جديدة، أو تهديد بغزوة، أو حملة، أو اجتياح.
وما ان ينتهي مسلسل رعب، حتى يكون مسلسل ترهيب وتهويل وتهديد قد سلك طريقه الى العرض على كل الشاشات الفضيَّة، وبالالوان. وبالصوت والصورة الغنيين عن كل تعريف وتفسير وتعبير...
وهكذا غدا حال لبنان.
وعلى هذا المنوال تمر الأيام والأعوام:
يوم أزمة انتخاب رئيس جمهورية، ويوم أزمة تأليف حكومة، ويوم أزمة اقرار موازنة معلقة منذ سنوات، ويوم ازمة تعيينات، ويوم أزمة وزارة اتصالات، ويوم أزمة أجهزة معلومات، ويوم أزمة قرار ظنّي لم يصدر بعد، ويوم أزمة محكمة دوليَّة، ويوم أزمة شهود زور، ويوم أزمة عنزة ولو طارت.
وكل هذه "الأيام" بأزماتها تؤكِّد ان لبنان يواجه مشكلة كبرى تتصل بمصيره ووجوده ووحدته واستمراره كوطن واحد لشعب يؤكد في كل مناسبة انه شعوب عدة، وان لكل شعب لبنانه، ولكل لبنان دولته، ولكل قبيلة قوانينها وأعرافها وسياساتها وعلاقاتها الخارجية ومصالحها، والى آخره...
قبل نهاية هذا الاسبوع سيكون لبنان على موعد مع لجنة عربية على مستوى الملوك والرؤساء والأمراء، للنظر في محنته الجديدة، ولإقناع القبائل المتنافرة والجيوش المستنفَرة والاصوات الراعدة بتأجيل "البيغ بانغ" اللبناني لأشهر معدودة.
لكنَّ اللجنة ستغادر بيروت سريعاً، وستترك هذا البلد المعتَّر في عهدة من يجهِّزه و"يؤهِّله" لانفجار عظيم قد يسبق بموعده كل اللجان الانقاذية وكل الجهود العربيَّة.
وكيف يمكن أن تتعايش شعوب على أرض واحدة وضمن حدود واحدة وفي ظل دولة واحدة وقوانين واحدة، ولكل شعب موّاله ودويلته وجيشه وسياسته وعلاقاته العربيّة والاقليمية والدوليّة؟
لو ان سعد زغلول يحضر في هذه الساعات ويرى ما يحدث في لبنان البائس لسارع الى ايقاظ صفيَّة من نوم عميق وقال لها برجاء: ما فيش فايدة، غطِّيني يا صفية!
"زيّان"
elias.dairy@annahar.com.lb



