تحسباً لاحتمال مواجهة أزمة وزارية قد يصعب الخروج منها
وجوب الإسراع في بت موضوع فصل النيابة عن الوزارة
إن العمل باتفاق الدوحة قد يستمر الى اجل غير معروف، وهو اتفاق يمنع، خلافاً للدستور، "الاستقالة من الحكومة او اعاقة عملها". في حين ان العودة الى اتفاق الطائف الذي تحكم بموجبه الاكثرية والاقلية تعارض، وتعود معه لممارسة النظام الديموقراطي ممارسة صحيحة، تبدو بعيدة خصوصاً اذا ظلّ طرف يشترط إلغاء الطائفية السياسية كي يصير في الامكان جعل الاكثرية تحكم والاقلية تعارض، وهي اكثرية قد تكون دينية لا تتغير الى ان تصبح اقلية ولكن دينية ايضاً، بحيث انه اذا طال العمل بالنظام التوافقي الذي يفرض تشكيل حكومة تتمثل فيها الاحزاب والقوى السياسية الاساسية، على تناقضاتها واختلاف مواقفها من المواضيع المهمة، فإن البلاد تدخل عندئذ تدريجاً مرحلة حكم "فيديرالية الطوائف" التي قد تحقق الامن والاستقرار ما دام اعضاء الحكومة متوافقين، لكنها قد لا تحقق الانتاج والعمل في شتى المجالات خدمة للوطن والمواطنين اذا كان ذلك يؤدي الى خلاف بين الوزراء يعرّض الحكومة للاستقالة.
لقد أعلن الرئيس سليمان انه لا بد من العودة الى الدستور والاحتكام اليه في كل خلاف. وقال الرئيس سعد الحريري ان تشكيل الحكومة الحالية ليس قاعدة إنما هو استثناء، ويقصد بذلك انه لا بد من العودة الى اتفاق الطائف، وليس الاستمرار في تطبيق اتفاق الدوحة وهو نقيض ذاك الاتفاق ومخالف لبعض احكام الدستور، كي يتم الخروج من مرحلة الوضع الشاذ والدخول في مرحلة الوضع الطبيعي، وان كان في حديثه الصحافي الاخير قد اشاد بعمل الحكومة وانجازاتها بالقول: "إن وجود أكثر من ثلاثة ملايين سائح في لبنان وزيادة 7 ونصف في المئة في النمو، أليست هذه انجازات اضافة الى الاستقرار الامني والسياسي في لبنان؟ مشكلتنا في لبنان هي أننا نرى الانجازات ولا نعترف بأنها انجازات"...
لكن الاوساط السياسية نفسها تقول ان ما يراه الرئيس الحريري انجازاً خصوصاً بالنسبة الى الامن والاستقرار انما هو انجاز مهدد في كل لحظة بالخطر مع حكومة تجمع الاضداد والمتخاصمين ولا احد يعرف متى يضعون المتاريس في وجه بعضهم البعض، وها ان الكلام على القرار الاتهامي في جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه قد يكون أول الغيث، ومشروع موازنة 2010 لم تتم الموافقة عليه إلا بعد مخاض عسير. واذا كانت الحرب على هذه الموازنة قد انتهت، فإنها قد تبدأ وربما على نحو أشد عند مباشرة درس موازنة 2011، فضلاً عن خلاف على حقوق اللاجئين الفلسطينيين، والتنقيب عن النفط والغاز في المياه البحرية الاقليمية للبنان، ثم التعيينات وهي الامتحان الكبير لمدى تضامن اعضاء الحكومة وتأكيد وحدتهم ولا تتقدم فيها الكفاءة على المحاصصة.
الى ذلك، فإن عمر الحكومة الحالية سواء كان قصيراً او طويلاً، فلا بد من التحسّب لاحتمالات مواجهة استقالتها لسبب من الاسباب، وقد يتعذّر عندئذ تشكيل حكومة وحدة وطنية ما دام تشكيل حكومة من الاكثرية مرفوض بحجة الاستئثار باتخاذ قرارات لا ترضى بها الاقلية وهي الاقوى بسلاحها وقادرة على منع تنفيذها. وهذا معناه ان اي حكومة يتم تشكيلها في ظل الوضع الراهن، وهو وضع شاذ، سوف تشكّل على اساس القاعدة التي نصّ عليها اتفاق الدوحة، ولا سبيل للعودة الى اتفاق الطائف الا بعد الانتخابات النيابية سنة 2013 وانتظار نتائجها ومعرفة مصير السلاح خارج الدولة، لأن ليس سوى هذا الاتفاق ما يجعل النظام الديموقراطي يمارس على أكمل وجه، ويؤمن مشاركة اكثرية الثلثين في اتخاذ القرارات المهمة. وهذه المشاركة تحققت باشتراط عقد جلسة مجلس الوزراء في حضور ثلثي عدد الوزراء وباشتراط عدم الموافقة على المواضيع الاساسية وعددها 14 إلا بأكثرية الثلثين، إذا تعذّر التوافق عليها، في حين ان اتفاق الدوحة قضى بأن تكون الحكومة حكومة وحدة وطنية، تضم الاكثرية والاقلية اي الاضداد والمتخاصمين، وان هذه الحكومة إذا حققت الامن والاستقرار مع استمرار تضامن اعضائها، فإنها قد لا تحقق الانجازات التي تهم الوطن والمواطن نظراً الى تضارب المصالح بين أعضائها، ولان هذا الاتفاق لم يحدد المواضيع التي يحتاج إقرارها الى اكثرية عادية او مطلقة او اكثرية الثلثين او التوافق والا ظلت معلّقة الى ان يتم هذا التوافق.
لهذه الاسباب وغيرها ينبغي البحث منذ الآن في وضع مشروع قانون يفصل بين النيابة والوزارة، كي لا يظل تشكيل الحكومات تحت رحمة الاحزاب والكتل وتحت رحمة المذاهب والطوائف ومقيداً بشروط هذا الطرف او ذاك، اذ لا خروج من عقدة التحالفات المذهبية والطائفية التي تعرقل تشكيل الحكومة الا بافساح المجال للرئيس المكلّف ليختار الوزراء من خارج مجلس النواب مع مراعاة رأي الاحزاب والكتل لان هؤلاء الوزراء وان كانوا ينتمون الى مذاهب وطوائف فإنهم لن يكونوا ملزمين مثل الوزراء من داخل المجلس بقرارات الاحزاب والكتل التي ينتمون اليها. اضف ان وزراء من خارج مجلس النواب او من خارج نادي السياسيين كانوا أنجح من وزراء نواب، لأنهم يقدمون مصلحة الوطن والمواطن على مصالحهم الذاتية، في حين يقدم بعض الوزراء النواب مصالحهم ومصالح اتباعهم ومناصريهم على المصلحة العامة، خصوصاً ان الرئيس سليمان واحزاباً سمّوا وزراء في الحكومة الحالية من خارج المجلس ومن المفيد ان يحذو الآخرون حذوهم وان بالعرف الى ان يصبح دستوراً.
اميل خوري
emile.khoury@annahar.com.lb



