مراقبون ورؤساء مراكز يعززون الغش العلني في الامتحانات
تصدّر خبر ضبط حالات من الغش وإنتحال الصفة في إمتحانات الثانوية العامة لهذه السنة، وإحالتها على النيابة العامة، صحف صادرة صباح الإثنين 12 تموز. وغاب عن الساحة الإعلامية خبر متابعة هذا الموضوع الذي جاء كمحاولة خجولة لتصويب مسار الفساد والرشاوى والغش في لبنان. وشكل الخبر مدخلاً لعرض دراسة عن "دور عدد من مراقبي الإمتحانات الرسمية ورؤساء المراكز في تعزيز الغش العلني خلال مراقبة سير امتحانات شهادتي البريفيه والبكالوريا" والتي أعدها الاستاذ في دائرة التربية في الجامعة الاميركية في بيروت الدكتور بارند فلاردينجربروك بمشاركة طالبين يعدان شهادة الماجستير في الإختصاص في الجامعة هما سعد الدين شهاب وسحر علامة.
لم تحاول الدراسة إكتشاف "البارود" بل عملت جاهدة على كشف "ألغام" الغش ومطباته في يوميات الإمتحانات الرسمية. من البديهي أن نعتبر الدراسة موضوعــــية لأن الباحـــث لا يــــــوالي "14 آذار" أو "8 آذار" بل التربية وعلومها.
ماذا في التفاصيل؟ يبدو أن خلاصة الدراسة تشير الى أن مساعدة عدد من المراقبين في الإمتحانات الرسمية، او حتى إندفاع عدد من رؤساء المراكز لمساعدة التلامذة خلال الإمتحانات تنبع من "قلب طيب"!يستغرب المصطلح طبعاً لأن التساهل الذي يلمسه البعض في عملية تسريب المعلومات أحياناً يعود الى ثقافة مجتمع يميل في غالب الأحيان الى التساهل والتراخي في نيل المعلومة، اي في إعتماد الطريق السهل لنيل الهدف المطلوب.
في الحقيقة، لا تهدف الدراسة الى إدانة أهل التربية، بل تتطلع الى عرض الواقع وإقتراح تصويب مسار ثقافة "التساهل" التي دخلت أحياناً في يوميات بعض منا.
نشرت الدراسة "المجلة الدولية لتنمية التربية" وهي مجلة بريطانية متخصصة بتطوير التربية. يمكن للراغبين الإطلاع عليها من خلال النقر على موقع المكتبة العامة للجامعة الأميركية أو من خلال إنتسابهم الى موقع www.elsevier.com/locate/ijedudev.
ألف باء الإمتحانات الرسمية
لم تعالج الدراسة ظاهرة دخيلة على مجتمعنا، وهي تركز، كما قال فلاردينجربروك في حديث الى "النهار"، على بحث عن الغش في الصفوف خلال امتحانات الشهادة المتوسطة والبكالوريا اللبنانية، مع التركيز على "الغش العلني". وحدد لنا المعنى المقصود بعبارة "الغش المكشوف او العلني" ويعني تواطؤ المراقبين على تسهيل ظاهرة الغش في الإمتحانات الرسمية . ويعتبر أن الغش العلني يترجم عملياً من خلال إفساح المجال للمرشحين بأن يتناقشوا في الاسئلة، او يعودوا الى مذكرات مكتوبة، او حتى تزويدهم الاجوبة. وينتقل في الحديث الى فريق الدراسة الذي حدد مصدرين للمعلومات: طلاب الجامعات ومراقبي الامتحانات. واشار الى ان إطار النموذج كان ضمن التلامذة الذين تقدموا لامتحانات الشهادتين المتوسطة والثانوية بين وخلال الاعوام 2004 - 2006، و2007 الى 2009 بالتتابع، اي المتقدمين للثانوية العامة في السنوات الثلاث السابقة والمتقدمين للمتوسطة قبل ذلك بثلاث سنوات.هل نعيش وسط واقع ملموس للغش العلني في الإمتحانات الرسمية؟ يؤكد فلاردينجربروك ان الدراسة أظهرت أن الغش العلني واقع ملموس في الامتحانات اللبنانية. ويشير الى أن التلامذة يتقدمون للامتحانات في مدرسة رسميّة، او احياناً في مدرسة خاصة اختيرت من الوزارة كمركز امتحانات. وتستعمل لهذه الغاية في لبنان، كما قال، غرف الدراسة العادية. واشار الى أنه يكون مقرراً ان يجلس المرشحون للثانوية العامة معاً في مجموعات مختلطة، ولفت الى أن المراقبين يكونون دائماً من معلّمي المدارس الرسمية. لكنهم لن يقوموا بهذه المهمة في المدرسة التي يدرسّون فيها. وذكر أن اوراق الامتحان تخضع للتعمية في مجريات وضع العلامات، علماً ان المرشحين يعرفون بأرقام مرمّزة.
وفي الدراسة فقرة خاصة للتعريف عن الشهادات الرسمية التي تخضع لمسار الإمتحانات على الشكل الآتي:
1 - الشهادة المتوسطة، تشمل تسعة امتحانات ويكون على كل المرشحين ان يخضعوا للامتحان في اللغة العربية، الرياضيات، اللغة الانكليزية او الفرنسية كلغة اجنبية، علم الحياة، الكيمياء، الفيزياء، الجغرافيا، التاريخ والتربية المدنية.
• إن النجاح في هذه الإمتحانات يقرّر ما اذا كان التلميذ سيتابع حتى المستوى الثانوي من الدراسة.
• يتوجب على الراسبين ان يعيدوا دراسة السنة التاسعة، او يتحولوا الى الدراسة المهنية والتقنية، او بكل بساطة ينقطعوا عن الدراسة.
2 - شهادة البكالوريا: يكون على التلامذة عند المستوى الثاني عشر ان يختاروا واحداً من اربعة برامج دراسية: العلوم الطبيعية، علوم الحياة، العلوم الثقافية، او علم الاجتماع والاقتصاد. تدرس في هذه المناهج اللغتان العربية والانكليزية او الفرنسية كلغة ثانية، الرياضيات، الكيمياء، الفيزياء، الجغرافيا، التاريخ والتربية المدنية. لكن تتفاوت ساعات تدريسها وفقاً للمنهاج المختار من التلميذ.
ألغام الغش ومطباته
وحدّدت الدراسة التي ننشر قسماً منها وفي ما خص نماذج شخصية للغش التي تعكس التركيز الاساسي على دور المراقبين وهي جاءت على الشكل الآتي:(أ) مرشحون يغشّون سراً من دون ملاحظة ذلك من المراقبين.
(ب) مرشحون يغشّون سرّاً بملاحظة مراقبين تحركوا لوقف الغش.
(ج) مرشحون يغشّون سراً وقد لاحظ المراقبون ذلك من دون ان يأخذوا أي أجراء لوقف الغش.
(د) مرشحون يساعدهم المراقبون في شكل هادئ (اي التلميح بالاجوبة).
(ه) مراقبون يسمحون علنا للمرشحين بمراجعة مواد دراسية.
(و) مراقبون يسمحون علنا للمرشحين بالتحدث مع بعضهم في شأن الاسئلة.
(ز) مراقبون يسلّمون الاجوبة على المكشوف الى المرشحين.
النموذجان (أ) و (ب) يشيران الى غش خفي معروف كلاسيكياً. النموذج (ج) يمكن في بعض الحالات ان يلمّح لتواطؤ مراقب/ مرشح، او يمكن فقط ان يعكس مستوى عالياً من تسامح المراقب تجاه الغش الحاصل. اما النماذج من (د) الى (ز) فتتضمن الغش المكشوف مع تزايد في الوقاحة. وقد استبدلت في دراسة الادوات عبارة مراقبين بالنظار وعبارة مرشحين بالتلامذة، واضيفت عبارة: انواع أخرى من الغش (يرجى التحديد).
جاءت الجوانب الخلفية من الغش في الامتحانات "حكما كما يظهر في الجدول الرقم (1)" فالجوانب الخلفيّة للغش في الامتحانات متشابهة في شكل لافت. لكن هذه الارقام لا يمكن أن تدل إلى عدد الحالات من اي نوع خلال امتحان مقرّر. وجاءت البيّنات على لسان الرواة والتي تشير الى غش اوسع في امتحانات التكميلية.
وفي التقارير الواردة، كما ذكرت الدراسة، ان المراقبين اختاروا في 25 في المئة من الحالات الشاذة ان يديروا عيناً معمّاة عنها، وفي قلّة منها (اي 10 الى 15 في المئة ) كانوا يعاونون التلامذة في شكل هادئ. اما احضار مذكرات وغير ادوات مساعدة سرياً الى غرف الامتحانات، فكانت حالات نادرة او بنسبة تقل عن 5 في المئة. ولا عجب في ذلك فمثل هذه الادوات يمكن ان تحجز من قبل المراقبين ومساعديهم من شرطة وجيش قبل الدخول الى غرف الامتحان. وما يقلق اكثر ما جاء في التقارير عن ان المراقبين سمحوا للتلامذة بالتشاور في ما بينهم حول الاجوبة عن اسئلة الامتحان. ويعتبر هذا دليلاً إلى نسبة عالية جداً من التسامح ازاء الغش في الامتحانات عند قسم كبير من معلّمي المدارس الرسمية في لبنان.
"وصايا الغش العلني"
خصصت الدراسة قسماً منها لرصد إنطباعات بعض مراقبي الإمتحانات أو بعض رؤساء المراكز على مساهمتهم في تمرير الغش العلني لتلامذة. رأى البعض أن أعصاب التلامذة تكون مشدودة خلال الامتحانات الرسمية، وتشكل عملية تسهيل الغش العلني عاملاً اساسياً لتبسيط مضمون الإمتحانات. أما البعض الآخر فقال بالفم الملآن: "انا اشعر معهم. وعلينا ان نساعدهم اذا كان ذلك ممكناً"، هم قلقون خلال الامتحانات، وهكذا نهوّن الامر عليهم قليلاً". وذهب البعض الآخر الى أبعد من ذلك ليبرر أن التلميذ يكون "احياناً في حاجة الى تلميح يساعده في الاجابة على الاسئلة". وأكدوا أن هذا التلميح ليس فعلاً حالة من الغش بل مجرد مساعدة لتسهيل سير الإمتحان. وغاص البعض في التبرير من خلال تحدثهم عن بعض المواد ومنها "الرياضيات التي تعتبر مادة صعبة لتلامذة علوم الحياة". بالنسبة لهم إن مناقشة بعض "النقاط الصعبة في الإمتحان ليس فعلاً حالة غش!". هذا أبرز ما ورد على لسان ست مراقبين في الإمتحانات ورؤساء مراكز. لكن الدراسة غاصت بتفاصيل أكثر دقة وهي رصد التبريرات التي تعطي للغش العلني ميثاقاً جديداً في نمط عمل بعض المراكز. رفض المتحدثون في هذه الدراسة أن يكون الغش في بعض المراكز مسموحاً وفي غيرها ممنوعاً كلياً. واعتمدوا تسهيل الغش ليحظى كل التلامذة بفرص النجاح. وطرح البعض الاخر المعادلة "إذا لم نوفر للتلامذة المساعدة في الإمتحانات فثمة من هو مستعد لذلك فالتردد غير مبرر" بل يلجأ البعض الى القول إن " كل المراكز الاخرى تسمح بالغش، فلماذا نكون مختلفين عنها؟".
أما لوجستية الغش العلني فتخضع لمعايير خاصة. ذكر البعض أنهم سمحوا بالغش العلني بأسلوب هادئ خلال امتحانات. وبرر البعض الآخر بأنه سمح بالغش فقط في مواد منها مثلاً مادة التاريخ لمرشحي العلوم الطبيعية. ولم تغفل الدراسة نظرة الأهل والتلامذة والمراقبين للإمتحانات الرسمية التي يرون أنها إستحقاق لا يتسم بالجدية . أما الامتحانات الرسمية فهي على حد قول احدهم مجرد تقليد متّبع.
وروى أحد المرشحين للشهادة المتوسطة، وهو يتقدم للإمتحان للمرة الرابعة، على التوالي، أنه طلب اذناً لكي يغش! وذهبت الأمور معه الى ذروتها لأنه اصيب بنوبة غضب عندما رفض طلبه. فلجأ طالب العلم الى تكسير الطاولات.
التغيير الممكن...
ختاماً، حددت الدراسة جملة توصيات لمعالجة آفة الغش العلني في بعض مراكز الإمتحانات الرسمية تختصر بالآتي:
• إقرار "ميثاق شرف" يلزم المدرسين الذين يراقبون الامتحانات بمسار مستقيم خلال عملية المراقبة. يطرح ذلك ضرورة الاستعانة بالمدرسين كمراقبين، مع الاخذ في الاعتبار ضرورة منع المراقبين من الاشراف على امتحانات تلامذتهم.
• رصد بدل أتعاب لكل مراقب يصل الى /50/ دولاراً في اليوم.
• إمكان إستقطاب فئة من المثقفين التي هي خارج ملاك التعليم لمراقبة الإمتحانات وفتح فرص عمل "موسمية" لها .
• إعتماد القاعات الكبرى للإمتحانات وهذا ما يبعد هاجس الغش العلني لكنه ليس أمراً سهلاً في لبنان. وهذا الإجراء يخفف من نسبة النفقات لأنه لا يفرض اكثر من 12 مراقباً للاشراف على مئات المرشحين الجالسين في قاعات كبرى.
• تنظيم ورش تدريب للمراقيبن ورؤساء المراكز تدخل ضمن إطار برنامج "بشرف" الذي تطلقه الأونيسكو والجامعة لتزويدهم المهارات المطلوبة لمناهضة آفة الغش في الإمتحانات. ترتكز الورش التدريبية على صقل المهارات القيادية عند المراقبين ورؤساء المراكز.



