"في مار مارون... المارونية ولبنان"
اليوم عيد القديس مارون، وانطلاق احتفالات الذكرى 1600 لوفاته في براد السورية، وليس في سوريا – الأسد كما أصطلح على تسميتها منذ تسلم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد مقاليد الحكم في بلاد الشام.
فالقديس مارون الذي ولد وعاش ومات في سوريا، لم يرتبط بنظام او بسياسة، ورغم اعلان متوقع اليوم من السلطة السورية عن مبادرة البدء بترميم الاماكن التي عرفت مارون لتحويلها محجة للمؤمنين ومقصداً سياحياً عالمياً، فإن العلاقة بين سوريا موطن القديس، والكنيسة التي اهتدت بمارون وحملت اسمه ظلت شائكة.
وقبل الدخول في متاهة تلك العلاقة، أتوقف عند تعليق تاريخي سجله الباحث الدكتور مصطفى الجوزو أرسله إليّ امس:
"وجدت في موسوعة Universalis الصادرة عام 2009 مقالتين لـHenri Legrand الأولى بعنوان: "الكنيسة المارونية" وفيها أن مار مارون قد ولد نحو سنة 350م وتوفي نحو سنة 433، والثانية بعنوان: "كنائس الشرق المسيحية" وفيها أن الكنيسة النسطورية قد نشأت عام 410، وذلك يعني أن مار مارون قد توفي قبل نحو 1577 سنة، وليس قبل 1600 سنة، وأن الكنيسة النسطورية هي التي نشأت قبل 1600 سنة. فهل اختلط الأمر بين وفاة مار مارون ونشوء الكنيسة النسطورية، أم أن معلومات الموسوعة المشار اليها غير صحيحة؟
إذاً فالعلاقة بين رأس النظام في دمشق، ورأس الكنيسة المارونية ليست على ما يرام ولم تكن كذلك يوماً، ويبدو انها لن تكون في عهد البطريرك الحالي مار نصرالله بطرس صفير. ربما تكمن المشكلة في الطبيعة الصلبة لكل من الطرفين. فالنظام السوري قادر حتماً على التغلب على البطريرك بوسائل عنفية مختلفة، لكنه لا يفعل لأنه مدرك أهمية الحدث وعالم بردات فعل محلية وعالمية على فعل مماثل، قد تتجاوز وتفوق ما حصل إثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي نحيي ذكراه نهاية هذا الأسبوع.
والبطريرك الصلب يعلم تمام اليقين ان لا مكاسب ممكنة من زيارته السياسية لسوريا، لأن فيها اسقاطاً لآخر مواقع الممانعة اللبنانية خصوصاً في ظل الظروف الاقليمية التي حملت كثيرين على التراجع عن مواقفهم المعارضة للسياسة السورية، وانكساراً فاضحاً لخطاب السيادة والاستقلال والتحرر من الهيمنة.
واذ يرى البطريرك في موقفه حصناً وسداً معنوياً أمام الهجمة الجديدة في السياسة الاقليمية، يؤكد انه لن يذهب إلا وطائفته معه، إذ أنه رغم اتهامه بالانحياز الى فريق دون آخر من الموارنة، فإنه لا يستطيع الانقلاب على نفسه لينحاز الى الفريق الآخر، وهو غير قادر حتماً على ترك جميع الذين أيدوا خطابه في منتصف الطريق كما يفعل بعض السياسيين الذين يرون الى السياسة حفاظاً على مصالح من دون الاكتراث الى المبادئ.
ويميز البطريرك بين علاقة جيدة وارتماء تجسّد أخيراً في الاستيعاب الايجابي لكلام الرئيس بشار الأسد على النظام اللبناني، واستناد الجميع الى توضيح غير رسمي، بل الى مقال صحافي لا يعكس النية الحقيقية، بل يعتبر بالون اختبار للمتلقين.
وينظر البطريرك من حوله الى الموارنة المنتشرين هنا وهناك في بلاد الله الواسعة، وقد أوكل الى المطارنة رعاية شؤونهم، وانصب تركيزه على لبنان، على ما قال في رسالته أمس في رد غير مباشر على البيانات التي تشدد على نشأة مار مارون ووجوده الكياني الجغرافي، ليميز بين مار مارون والكنيسة، إذ عنون رسالته "في مار مارون... المارونية ولبنان" ومما ورد فيها:
"منذ ما يزيد على خمسة عشر قرناً وشعب لبنان وأرضه هما المحور الذي يدور حوله مصير الموارنة، ومع أن المارونية لم تولد في لبنان، ومع أن أكثرية الموارنة تعيش اليوم في دول الانتشار في العالم، فإن هذا الواقع لا يغير شيئاً من الحقيقة المركوزة في قلب كل ماروني وعقله ووجدانه، او يفترض ان تكون كذلك، بان وطنهم الحقيقي كما أراده القديس مارون هو قبل كل شيء حيز روحي، وان المارونية هي مشروع حرية رمزها لبنان، وان مشروع الموارنة كما مشروع اللبنانيين هو تحرير الانسان، وهو مشروع مرفوع على ملتقى القارات الثلاث ليجسد مصير الشرق كله، مصير المعذبين والمتألمين والمهمشين فيه والمضطهدين في حرياتهم، بحيث تتلاشى أمنياتهم وتطلعاتهم نحو الارض والحرية".
هكذا هي المارونية في عمقها الروحي وتاريخها البعيد وليس في ما يسمى المارونية السياسية التي ارتبطت بأحداث غالباً ما كانت مأسوية في التاريخ الحديث.
اما بعد، فإن الفهم الجيد لكلام البطريرك حول الدور والرسالة، يلغي المسافات، ويقلل من أهمية مكان الاحتفال أكان في كاتدرائية مار جرجس أم في براد بسوريا.



