حوارات "بوسطنية" عن القضية الفلسطينية: سيناريوات ثلاثة [2]
بقلم عبد المنعم سعيد
السيناريو الأول، عبثي يرى أن هذه القضية انتهت أصلا، وأن كل ما يحدث الآن على صعيد الجهود الدولية والإقليمية المبذولة لبدء المفاوضات بين الإسرائيليين والفلسطينيين لن ينتج أي تداعيات إيجابية، لسببين: أولهما، أن حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ترى أن الوضع الحالي المتمثل في الانقسام الحاد بين حركة "فتح" في الضفة الغربية وحركة "حماس" في قطاع غزة مثالي بالنسبة لها، ومن هنا حاولت السير في اتجاهين متوازيين: عدم تقديم أي تنازلات رئيسة في الملف الفلسطيني بسبب عدم اقتناعها بجدوى، أو ربما بحتمية ذلك فضلا عن إمكانية أن تتسبب هذه الخطوة في انفراط عقدها نتيجة وجود تيارات متشددة داخلها ترفض تقديم أي تنازلات حقيقية في هذا الملف، والسعي في الوقت نفسه إلى كسب الوقت مع إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما التي بدأت بمنح الأولوية لقضايا وملفات أخرى على حساب القضية الفلسطينية، خصوصا مع اقتراب موعد انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأميركي في تشرين الثاني 2010، حيث تتعرض الإدارة الأميركية إلى ضغوط من داخل الحزب الديموقراطي لتقليص حدة التوتر والخلافات مع إسرائيل، بسبب تصاعد الاستياء الأميركي من السياسات التي تنتهجها الحكومة الإسرائيلية. وثانيهما، صعوبة التوصل إلى مصالحة وطنية بين حركتي "حماس" و"فتح" في الوقت الحالي تنهي الصراع القائم بينهما، لاسيما بسبب تبني كل منهما برنامجا سياسيا مختلفا عن الآخر، فضلا عن دخول قوى إقليمية متعددة ذات مصالح متباينة على خط ضبط حدود التفاعل بين الطرفين بما يخدم مصالحها وأجندتها الإقليمية في المقام الأول.
إلى جانب ذلك، فإن ما يضفي صعوبات أخرى على إمكانية التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية، هو أن النجاح في تحقيق ذلك سوف يتمخض عنه ظهور دولة فلسطينية جديدة طبقا لمبدأ حل الدولتين الذي سيواجه إشكاليات عديدة بدوره، أهمها ظهور مخاوف من التداعيات المحتملة لتأسيس الدولة الفلسطينية، خصوصا ما يتعلق بمنحها صلاحيات للقيام بأداء مهامها على صعيد حماية سيادتها وأمنها القومي وتطبيق القانون على مواطنيها وغيرها، وهذا المبرر تحديدا هو ما جعل إسرائيل تصر على أن تكون الدولة الجديدة، في حالة إقامتها، دولة منقوصة السيادة بحيث لا تشكل تهديدا لأمنها القومي. هذا السيناريو يمكن أن يدعم دعوة بعض الاتجاهات داخل إسرائيل إلى جعل إسرائيل دولة يهودية خالصة من خلال نقل الفلسطينيين الذين يعيشون داخلها إلى المستوطنات الإسرائيلية أو إلى الدولة الجديدة وهو ما سينتج مشكلة جديدة في مواجهة هذه الدولة. إلى جانب أن الدولة الفلسطينية الوليدة يمكن أن تتحول كانتونات، بسبب وجود الكتل الاستيطانية الكبرى وشبكات الطرق المرتبطة بها والحواجز العسكرية إلى جانب الجدار الفاصل، وهو ما دفع بعض الاتجاهات إلى تسمية حل الدولتين بـ "حل الكانتونات".
من هنا ظهرت رؤى إسرائيلية وعربية ترفض خيار الدولتين: الرؤية الإسرائيلية تركز على أن فكرة الدولة الفلسطينية تفتقد أي منطق ديموغرافي أو جغرافي، وأن إسرائيل تسرعت في تبنيها دون دراسة إمكانية تحقيقها وتداعيات ذلك عليها، فضلا عن أن هذا الحل يمكن أن يؤدي إلى سيطرة "حماس" على الضفة الغربية إلى جانب قطاع غزة بما يضيف إلى رصيدها ولا يخصم منه وهو ما لا يصب في مصلحة تل أبيب. الرؤية الفلسطينية العربية، ترى أن الالتزام بمبدأ حل الدولتين بشكله الحالي فيه إجحاف بالحقوق الفلسطينية، ومحاولة للالتفاف على مبادئ الشرعية الدولية، ومن ثم فإن الأجدى، وفقا لهذه الرؤية، هو الاستعاضة عن إقامة الدولة الفلسطينية بالحفاظ على ثوابت القضية الفلسطينية، لاسيما أن الاتفاقات التي وقعت في إطار المفاوضات الإسرائيلية - الفلسطينية مثل اتفاق أوسلو إلى جانب الأفكار المطروحة في هذا السياق مثل خطة "خريطة الطريق" لم تنجح في التوصل إلى حلول جذرية للقضية الفلسطينية.
السيناريو الثاني، هو إقامة ثلاث دول. هذا السيناريو يمكن أن يتفرع منه سيناريوان: الأول، يتعلق بتأسيس ثلاث دول هي: إسرائيل، والضفة الغربية التي تسيطر عليها حركة "فتح"، وقطاع غزة الذي تسيطر عليه حركة "حماس". والثاني، يتصل بما يسميه البعض بـ"بينولوكس ثلاثي" تشبيها بدخول ثلاث دول أوروبية هي: هولندا ولوكسبورغ وبلجيكا في وحدة اقتصادية عام 1958 تحت مسمى مشروع بينولوكس، وهو اسم اشتق من أسماء الدول الثلاث. هذه الدول الثلاث تتكون من: دولة فلسطينية، ودولة إسرائيلية، وكونفيديرالية فلسطينية - أردنية. وقد بدأت بعض الأوساط بالترويج للفكرة الأخيرة، عندما طرحت أطرا إجرائية لتنفيذها مثل تشكيل قوات كونفيديرالية تتولى مهام حماية حدود هذه الكونفيديرالية مع إمكانية إشراك قوات دولية لدعمها، فضلا عن فتح الحدود كاملة بينها مع احتفاظ كل منها بنظامها السياسي وقوانينها المحلية. وبالطبع، فإن السيناريو الأخير يواجه برفض حاسم من جانب الأردن تحديدا، حيث أكد العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني، في كلمة ألقاها لمناسبة عيد الجيش والثورة العربية الكبرى والجلوس الملكي في 8 حزيران 2010، أن بلاده لن تقبل تحت أي ظرف من الظروف بأي حل للقضية الفلسطينية على حساب الأردن، ولن يكون للأردن أي دور في الضفة الغربية، مشيرا في الوقت ذاته إلى أن بلاده لن تتخلى عن واجبها ودورها في دعم الفلسطينيين حتى يقيموا دولتهم المستقلة.
السيناريو الثالث، هو إقامة دولة واحدة دعا البعض إلى أن تكون ديموقراطية علمانية تجمع الإسرائيليين والفلسطينيين في بوتقة واحدة، وتحكمها أطر قانونية ودستورية باعتبارها الحل الأكثر ملاءمة لتسوية القضية الأطول في العالم. وفي رؤية هؤلاء فإن سيناريو الدولة الواحدة سيتحقق آجلا أو عاجلا، بسبب عدم بروز مؤشرات في الأفق توحي بحلحلة الجمود الحالي في المفاوضات بين إسرائيل والفلسطينيين، فضلا عن وجود كتل المستوطنات الكبرى في الضفة الغربية التي تجعل من فكرة إقامة دولة فلسطينية أمرا غير منطقي. لكن هذه التوجهات تواجه صعوبات عديدة بدورها، أهمها إصرار بعض التيارات المتطرفة داخل إسرائيل على ضرورة تطهير الدولة الإسرائيلية من أي عنصر غير يهودي، فضلا عن معارضتها مبدأ الديموقراطية العلمانية لاعتبارات ديموغرافية خاصة بغلبة العنصر العربي، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى سيطرة الغالبية العربية على مقدرات هذه الدولة. وقد دفعت هذه الصعوبات البعض الآخر إلى الدعوة لإقامة نظام ديموقراطية توافقية. لكن في كل الأحوال، فإن هذا السيناريو في مجمله يواجه إشكالية مهمة تتمثل في إمكانية أن يحول القضية الفلسطينية من قضية تحرر وطني إلى قضية تمييز عنصري، وهو بالطبع ما سترفضه إسرائيل لأنه سيعرضها إلى اتهامات بأنها نظام عنصري وسيدخل علاقاتها مع المجتمع الدولي مرحلة من التوتر والتصعيد لاسيما في ظل الرفض الحاسم من جانب الأسرة الدولية للأنظمة العنصرية. وفوق ذلك، فإن الدولة الجديدة يمكن أن تتحول، في حالة تحقق هذا السيناريو دولة ملجأ نتيجة رغبة عدد كبير من اللاجئين والمهاجرين في العودة إلى أراضيهم من جديد، وهو ما سيضيف إشكاليات جديدة في مواجهة سيناريو الدولة الواحدة.
السيناريوات الثلاثة وتفريعاتها ليست جديدة تماما، ولكنها في مناخ التفكير الأكاديمي الهادئ تحمل رؤى وبدائل لواقع ربما لم يصل إلى طريق مسدود بعد، ولكنه لا يوحي إطلاقا بوجود باب مفتوح. وربما كانت المشكلة قائمة في أن الباحثين عن حل يتغاضون عن حقيقة أن هناك حلا قائما بالفعل وهو التعايش مع الصراع بشكل أو بآخر كما جرى طوال أكثر من قرن، جرت فيه مياه كثيرة تحت الجسور، وحتى لو صارت المياه نارا ولهبا فقد عرف العالم كيف يطفئها ويعود إلى حياته الهانئة من جديد.
(رئيس مجلس ادارة صحيفة "الأهرام" المصرية)



