كتاب
"باربكيو سمك" لعادل نصّار قراءةً ثانية
يسرد ولا يبتسم
|
المعالجة إذاً لا تكون إلا بالتزام مبادئ القصة، قبل أن تأتي خصوصية الكاتب وأسلوبه، في السرد والشرح والاستفاضة أو الاقتضاب. القصة في رأينا ليست مشروطة بالصورة - طبق الأصل عن الواقع، وإلا فبماذا تختلف القصة المكتوبة عن أي وصف شفوي عادي، إذا لم تتضمن إضافات فنية أو أدبية؟ نفترض أن عادل نصار، اختار بعدا آخر، لا يتفق ورؤيتنا إلى القصة، التي ليست اكثر من وجهة نظر، وذائقة جمالية محددة. ذلك لا يلغي أن منهج نصار كان في الإضاءة جغرافيا على طرفين، والتفاعل ديموغرافيا وسوسيولوجيا بينهما. فمن جهة، هناك التسارع في الانفعال بين الشخصيات، والصعود الحاد للمشكلة، في مساحة الحي الضيق والبيوت المتجاورة التي لا تفصلها بعضها عن البعض الآخر إلا مسافات ضيقة. من هنا، فإن الانسان فاقد لخصوصيته واستقلاليته وسلامه مع النفس والآخر، وتحوطه دائما خطوط دائرة تضمه والجيران، وأزعر الحي، والأهل والأصدقاء وسكان الشارع. وما يرسم تحته خط، في القصة الواحدة، لن يكون إلا ضمن مشروع نصار في تضييق "البيكار" على علاقات صغيرة وقصيرة، غير عميقة وإلى حد ما، زائفة. يقول: "لقد آثرت التشديد على العنف، المتولد بفعل طريقة بناء البيوت في الأحياء، البيوت التي تكاد لا تنفصل عن بعضها البعض، ما يساهم في بروز الحسد والنميمة والهيمنة الكلامية، كظواهر تنتشر بين الأهالي، بالإضافة إلى وجود العنف الحاضر فيزيولوجيا من خلال زعران يحكمون قبضتهم على هذا الحي أو ذاك بدلا من الدولة". من هنا، نتبين أن الأمر الذي تفاداه نصار بامتياز هو السياسة أو محاولة عكسها بطريقة مباشرة. لأنه انتقى في معاينته للواقع، حكايات هي في الحقيقة لتحكم الميديا وارتباطها بالسياسة من جهة، أو هي تصنيفات أنتجتها أزمات سياسية سابقة، ولم يحاول أحد تحسينها أو تعديلها.
الأسلوب السردي يخضع لفكرة العمل، ولا يبذل مجهودا لتخطيها. يظل المشهد لصيقا بالواقع، والجملة رهينة الحدث الذي سوف يكون. من هنا، تأتي الجملة مستعجلة، غير مكثفة، موهومة بالشرط السوسيولوجي، وكأنها ليست سوى مقبلات للحدث. تركيز نصار على الحدث، يفوّت عليه فرصة إعلاء شأن الجمالية الأدبية، بدل المباشرة التي تنضوي تحت مظلتها مجريات القصة. إلا أن هذا لا يقلل من قيمة التوازن في السرد. وهي قيمة العبور البصري، فوق مساحة المكان والأشخاص، وإحاطتها بالمستلزمات الضرورية فقط، في خدمة ما يريد الكاتب إعلانه للقارئ.
مازن معروف



