الرد الأفغاني من إيران على عقوبات واشنطن
بقلم سليم نصار
السلطة الفلسطينية الممثلة بالرئيس محمود عباس، حددت ثلاثة شروط قبل الموافقة على إحياء محادثات السلام: أولاً – استئناف المفاوضات من النقطة التي توقفت عندها أواخر عام 2008. ثانياً – الاعتراف بالدولة الفلسطينية على حدود 1967، أو الاعتراف بالمبدأ الإقليمي، القاضي بإقامة الدولة الفلسطينية على أراضي تكون مساحتها مساوية لمساحة أرض 1967، على أن تكون الأحياء العربية في القدس جزءاً من دولة فلسطين. ثالثاً – تجميد عمليات الاستيطان بصورة تامة.
رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو، طلب من ميتشل، أن تكون التجمعات الاستيطانية الكبرى الواقعة غرب الضفة وفي محيط القدس، ضمن حدود الدولة العبرية. وبما ان مدة تعليق البناء في المستوطنات تنتهي آخر شهر أيلول، فإن أعمال البناء ستستأنف على غرار ما يحصل في القدس الشرقية.
قبل أن يلتقي الرئيس المصري حسني مبارك بنيامين نتنياهو، حرص على التشاور مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس بهدف التنسيق معه حول مستجدات موقف السلطة. كذلك التقى جورج ميتشل باعتباره الوسيط الذي أوكل اليه الرئيس أوباما مهمة تحقيق رؤية حل الدولتين.
واختصر وزير الخارجية المصري أحمد أبو الغيط توجيهات الرئيس بالدعوة الى بدء المفاوضات المباشرة لكونها الوسيلة الوحيدة التي تؤدي الى تسوية نهائية متفق عليها.
واعترض أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى على خلو الموقف المصري من التحفظ عن التحرك الإسرائيلي، لذلك طالب بضمانات مكتوبة قبل الانتقال الى مرحلة المفاوضات المباشرة. وقال في مؤتمر صحافي عقده بعد اجتماعه مع ميتشل: "ان خلو المباحثات السابقة من المرتكزات السياسية الثابتة، ساعد على إجهاض كل المحاولات، بحيث أضعنا عشر سنوات في إدارة الأزمة بدلاً من حل الأزمة".
ولكن شروط عمرو موسى لم تمنعه من فتح ثغرة في الجدار المسدود، وقال ان اجتماع لجنة مبادرة السلام العربية على مستوى وزراء الخارجية سيحدد الموقف النهائي الذي ستتخذه دول الجامعة.
يقول رئيس دائرة المفاوضات عن الجانب الفلسطيني صائب عريقات، ان نتنياهو يريد مفاوضات مباشرة من دون شروط مسبقة... ومن دون الالتزام باستئناف المحادثات من النقطة التي توقفت عندها في آخر عام 2008. وعندما نشعر بأن رئيس وزراء إسرائيل سيستغل هذه المرحلة لإعانة الرئيس أوباما على منع الحزب الجمهوري من السيطرة على مجلس النواب، وعلى ثلث مجلس الشيوخ في انتخابات تشرين الثاني ... سنلجأ بعد ذلك الى مجلس الأمن في حال ظهرت عملية المفاوضات المباشرة كجزء من خطة التواطؤ بين واشنطن وتل أبيب.
وأعلن عريقات أن هناك 112 دولة في الجمعية العمومية مستعدة للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وان دولاً أوروبية عدة وعدت بتأييد هذه الخطوة. وفي حال مارست الولايات المتحدة حق الفيتو في مجلس الأمن، فإن انحيازها السافر سيحرمها من القيام بدور الوسيط النزيه.
ويؤكد رئيس وزراء السلطة الفلسطينية سلام فياض أنه خلال 2010 يكون قد أكمل بناء مؤسسات الدولة، بحيث يسقط ذرائع اسرائيل التي تدعي ان قيام الدولة يحتاج الى وجود مؤسسات.
ولكنه في الوقت ذاته، يشكو من عرقلة تنفيذ مشروع البحر الميت المقدرة تكاليفه بقيمة مليار ونصف مليار دولار تقريباً، ويشمل المشروع إقامة سلسلة فنادق ومنتجعات سياحية، وتبلغ مساحة الشاطئ الفلسطيني على البحر الميّت 37 كيلومتراً. وقد صنفتها منظمة التحرير جزءاً من الأراضي المحتلة عام1967. ولكن إسرائيل رفضت الانسحاب منها قبل الانتهاء من اتفاق تسوية الحدود. وهي حالياً تستثمرها لإقامة فنادق ومنتجعات ومصانع للأملاح والمستحضرات الطبية.
كشف محمد دحلان، عضو اللجنة المركزية لحركة "فتح"، ان الرئيس محمود عباس قدم عرضاً مكتوباً حول اتفاقية السلام عبر المبعوث الأميركي جورج ميتشل أثناء المفاوضات غير المباشرة. ويقوم العرض على إنشاء دولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران 1967 مع تبادل أراض بنسبة محدودة. وتفادياً لأي خلاف في المستقبل قد تستخدمه إسرائيل ذريعة لإعادة التدخل في الشأن الفلسطيني، اقترح أبو مازن نشر قوات من حلف شمال الأطلسي على الحدود مع الأردن، وفي مواقع أخرى من أراضي الدولة الفلسطينية تكون بمثابة جدار معنوي يمنع تصادم الدولتين اللدودتين. وهو يقول ان اختياره للقوات الأطلسية جاء نتيجة عداء إسرائيل لقوات الأمم المتحدة التي تعتبرها منحازة للموقف العربي.
عقب الانتقال الى المفاوضات المباشرة، أضاف عباس على الشرطين السابقين ثلاثة شروط أخرى تتعلق بضرورة استئناف المفاوضات من حيث انتهت عام 2008 والتقيد بخطوط خريطة تبادل الأراضي التي رسمها مع رئيس الوزراء السابق ايهود أولمرت، وإعلان الالتزام بتجميد الاستيطان في القدس الشرقية وسائر المناطق.
التقدم الوحيد الذي أحرزته عملية التفاوض مع أولمرت، كان محصوراً بالضفة الغربية. ففي حينه، باشر الفريق الإسرائيلي عرضه بالاستيلاء على 6.5 في المئة من أراضي 1948 والتي تحتوي على أحواض المياه. أي ان الفريقين وافقا على تبادل الأراضي مع الحرص على إبقاء جغرافية الدولة الفلسطينية في حجم مساحتها الأصلية قبل 1967 (وهي تُقدر بـ 6258 كيلومتراً مربعاً). وهذه المساحة تمتد من القدس الشرقية... عبر غور الأردن... الى غزة. ويقضي الاتفاق أيضاً بإنشاء ممر آمن بين الضفة الغربية وقطاع غزة. واللافت ان أولمرت وافق على أن تكون القدس الشرقية جزءاً من الأراضي المحتلة، ولكنه تردد في المصادقة على ذلك خوفاً من أن يُتهم بالتنازل عن نصف عاصمة إسرائيل الموحدة!
عندما زار أمين عام الجامعة العربية عمرو موسى دمشق قبل أسبوعين، أبلغه الرئيس بشّار الأسد اعتراضه على ضم المستوطنات الكبرى، كما يشترط نتنياهو، لأن هذا العمل مخالف للقرار 497. وبما أن سوريا تعتبر قرار ضم الجولان مخالفاً لكل القوانين الدولية، فإن الاستفتاء العام الذي طلبه نتنياهو من الكنيست كشرط ملزم لأي انسحاب من الهضبة، يصبح لاغياً تلقائياً بحكم قرار مجلس الأمن. وقد أثارت دمشق هذا الموضوع مع جورج ميتشل، ومع رجال الكونغرس الأميركيين الذين توافدوا الى دمشق خلال السنتين الأخيرتين. وحجتها أن القرار 497 استند الى وثيقة جنيف الرابعة التي تشكل المصدر الأساسي للتشريع الدولي والإنساني. وقد صيغت هذه الوثيقة بعد الحرب العالمية الثانية بهدف منع تكرار المآسي التي تعرض لها اليهود والبولنديون والتشيك وخلافهم. والغاية منها حماية الأبرياء في زمن الحروب ولهذا السبب سارعت إسرائيل الى التوقيع على الوثيقة فور إعلان ولادة الدولة.
الأمم المتحدة منحت "منظمة الصليب الأحمر" صلاحية تحديد معنى هذه الوثيقة باعتبارها بريئة من الارتباطات السياسية. وفي عام 1971 أصدرت المنظمة إيضاحاً يقول ان المناطق التي احتلتها إسرائيل عام 1967، هي مناطق غير شرعية لأنها تناقض وثيقة جنيف الرابعة.
وفي أول لقاء دشن به ميتشل جولته الأخيرة على المعنيين بأزمة المنطقة، سلّمه صائب عريقات رسالة تتضمن بعض الممارسات التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية، الأمر الذي يهدد بنسف المفاوضات المباشرة قبل أن تبدأ.
ويشير عريقات في الرسالة الى إقرار وزارة الإسكان الإسرائيلية، مخططاً لإقامة موقع استيطاني جديد في حي "الشيخ جرّاح"، والمصادقة على بناء فندقين ضخمين داخل منطقة "جبل المكبر" وسط القدس الشرقية، إضافة الى عرض مشروع مستقبلي لإنشاء 20 ألف وحدة استيطانية سيتم بناؤه خلال عشر سنوات.
يبقى السؤال المتعلق بالدوافع الحقيقية التي فرضت على الرئيس أوباما استقبال نتنياهو بكثير من الترحاب والودّ، متجاوزاً حملته السابقة على سياسته الشرق أوسطية؟!
الجواب السهل يعيد أسباب تغيير موقف سيد البيت الأبيض، إلى إمكان نجاح الحزب الجمهوري في السيطرة على مجلس النواب خلال الانتخابات التشريعية في 2 تشرين الثاني.
وبما ان مراكز استطلاع الرأي أجمعت على هبوط شعبية أوباما الى نسبة تجعل التمديد لولاية ثانية أمراً صعب التحقيق، فإن ترحيبه بنتنياهو فُسّر كخطوة استنجاد بالجاليات اليهودية المعارضة.
أوساط الحزب الديموقراطي تعزو أسباب هذا التحول الى وقائع مرتبطة بعجز الدول العربية والإسلامية عن تقديم الدعم اللازم لسياسته الجديدة التي ربطت حل القضية الفلسطينية بسلامة الأمن القومي الأميركي. وانتظر أوباما بعد الخطابين اللذين ألقاهما في تركيا ومصر، مساندة الدول العربية والإسلامية، لتسهيل مهمته. وبعد انقضاء سنة تقريباً لاحظت الإدارة الأميركية ان الخلافات العربية – العربية... والإيرانية – العربية، أجهضت كل مبادرات التسوية التي قدمها بواسطة جورج ميتشل. وهذا ما يراه المراقبون في واشنطن سبباً كافياً لاعتماد الرئيس أوباما على روسيا والصين من أجل عرقلة تنفيذ المشروع النووي الإيراني. وقد اضطر الى تقديم تنازلات استراتيجية بهدف الحصول على تأييدهما أثناء وضع قرار العقوبات ضد إيران في مجلس الأمن. وهو القرار السادس الذي يوسع حجم العقوبات الاقتصادية، ويخوّل، ضمن الفقرة 15، دولاً حق تفتيش السفن الإيرانية في المياه الدولية.
ردّت طهران على قرار مجلس الأمن بسلسلة عمليات أمنية نفذها أنصارها في أفغانستان والعراق وباكستان واليمن، الأمر الذي جعل القوات الأميركية في أفغانستان والعراق أسيرة وضع متفجر يصعب التخلص من تداعياته. وهذا ما دعا هنري كيسينجر الى التحذير من مخاطر الانسحاب المبكر بعد تسليم القوات الأفغانية والعراقية شؤون الأمن وحماية النظام. وفي رأيه، أن الجيش الأميركي في الدولتين قد يواجه بتورطه مأزق القوات السوفياتية التي مُنيت بالهزيمة على أيدي المجاهدين!
(كاتب وصحافي لبناني مقيم في لندن)



