أول النهار
عِبَر من حادث الطائرة
ماذا بعد؟ لان ما احاط عملية البحث عن المفقودين او عن جثثهم وعن الحطام والصندوق شكل متاهة للناس، بل وبلبلة وتشكيكا في القدرات والنيات اكدت ان حتى المصيبة لم تعد تجمع اللبنانيين. وهذا امر مؤسف للغاية لدى كل الوطنيين، بل مؤلم لانه يتخطى الأسف ليبلغ الأسى.
لماذا هذا الكلام اليوم؟ وهل بات الكلام مباحا بعدما اشبعوه سخافة في الايام الماضية؟
نعم، من الضروري الكلام، بل والتفسير والسؤال ومحاولة الاجابة، عما اتضح خلال المأساة الانسانية التي اصابت كل لبنان من جنوبه الى شماله.
فتطييف الحادث واعتباره مناطقيا وطائفيا ومذهبيا يحولانه قضية صغيرة لا تعني كثيرين، بل تدفع بهؤلاء الى رفض التضامن من باب ردة الفعل السلبية، وهو امر ممكن في المناسبات السياسية، ولكن من المعيب حشره في الامور الانسانية والمأسوية.
لم أشأ في الايام الماضية التعليق على ما ورد في شأن تطييف الحادثة – المأساة. لاني اعتبرت الجدال في الموضوع يسيء الى الناس وكراماتهم، وربما يهدف مطلقوه في نيات مبيتة الى تحويل النظر عن الحقيقة.
ولهذا الكلام الطائفي احاديث مشابهة ادلى بها هؤلاء في غير مناسبة مأسوية اثر اغتيال الرئيس رفيق الحريري الذي نحيي ذكراه الاحد المقبل، واثر اغتيال جبران تويني عندما قررت فئة توزيع الحلوى واطلاق النار ابتهاجا. وما الكلام المذهبي الا اطلاق نار في عقول اناس وقلوبهم، وهو موجع وقاتل، ولا يقل اثرا عن الرصاص الحي.
ثم ان بعض الاعلام، وخصوصا المرئي، انكشف امره، وان اطل كثيرون من اهله للدفاع عنه بشن هجوم على آخرين من باب المثل الشعبي اللبناني "أتغداك قبل ما تتعشاني" (مشتقة من الغداء والعشاء). لم يهدف احد الى النقد لمجرد الانتقاد، بل هو من باب النقد البناء الذي يهدف الى بلسمة جروح تنزف. وهذا النقد لا يلغي بالتأكيد تقديرنا للعاملين في التلفزيونات، هؤلاء الزملاء الذين واكبوا الحدث ليل نهار رغم الطقس العاصف.
لكن استعمال بعض العبارات النافرة في الوصف لا يخدم الاعلام ورسالته وليس دليل جرأة، بل هو خروج عن المهنية، خصوصا اذا ما شاهدنا مسؤولا في احدى المحطات يطل علينا كل عشر دقائق ليؤكد صوابية نظريته وتوقعاته وتحليلاته، محاولا تحقيق سبق صحافي على حساب الناس ومشاعرهم قبل كراماتهم.
اما الكلام الآخر على المؤامرة الداخلية والخارجية، فهو ايضا استغلال رخيص. فالسؤال عن طلب الحكومة المساعدة الاميركية والفرنسية لمسح البحر ليس تشكيكا فقط في النيات، بل اتهام وتخوين من لغة بائدة وخطاب جاهز لكل المناسبات، ولا يعبران عن التوافق الذي رافق تأليف الحكومة الحالية.
والقول ان البواخر الاجنبية قررت تأخير اعلان الحقيقة للانتهاء من مسح الشاطئ اللبناني فيه الكثير من المبالغة. لان قوة الامم المتحدة قد انجزت مسحا ربما منذ وقت بعيد، والطائرات قادرة على ذلك، وموقع "غوغل" يؤكد الامر من دون استئذان.
واذا كانت اجهزة كثيرة عملت على الانقاذ والتفتيش والمسح، فانه من الضروري توجيه التحية الى الجيش اللبناني وخصوصا مغاوير البحر وعناصر الدفاع المدني الذين بذلوا جهودا جبارة واثبتوا كفاية مميزة مما يدعو الى تجهيز الجهازين بأحدث العتاد.
نايلة تويني
nayla.tueni@annahar.com.lb



