كارثة الطائرة الأثيوبية تشرّع السؤال عن جهوزية لبنان
إنشاء الهيئة الناظمة للطيران رهن سلّة التعيينات
لا هيئة لإدارة الكوارث خوفاً على صلاحيات هيئة الإغاثة
والواقع أن لبنان الذي واجه مأساة تحطم الطائرة في تجربة غير مسبوقة له، بدا انه يفتقد ضمن امكاناته الذاتية الى أي قدرة على تحمل مثل هذه المسؤولية. وليس هذا الكلام من باب التقليل من شأن الجهود الرسمية التي بذلت على أعلى المستويات ووضعت الرؤساء والوزراء المعنيين في حالات تأهب ومتابعة يومية، ولكنه يبين الغياب الواضح للأجهزة الكفيلة بادارة حالات مشابهة والتنسيق في ما بينها لجهة وضع خطط الانقاذ والتحرك الداخلي والخارجي المطلوب للوصول الى النتائج المتوخاة. وقد تجلى هذا الجانب من التقصير الرسمي في فوضى المعلومات وتناقضها احيانا وعدم حصر مصدر المعلومات بناطق رسمي واحد وكان هذا الموضوع مثار انتقادات وتقاذف للمسؤوليات بين مختلف الاجهزة المعنية من جهة والاعلام من جهة اخرى، مما دفع بأحد الوزراء الى وصف المشهد بـ" جريمة الاستهتار بمشاعر الناس بعدما بلغ الكذب ذروته بهدف البروز الاعلامي!".
والواقع أن كارثة الطائرة الاثيوبية، على فداحة خسائرها، جاءت لتبيّن القصور اللبناني في جبه الكوارث، واستطراداً الكوارث الطبيعية التي تتهدد لبنان وهي متنوعة، اذ يواجه لبنان أخطار الزلازل والهزات والفيضانات والحرائق.
والتجربة المشؤومة التي انتهت أمس أول فصول مآسيها بعدما عثر على الضحايا والصندوق الاسود، بدأت تستعد لخوض فصل جديد يتعلق بتحديد اسباب التحطم والتحقيق فيها، بعدما شهد الاسبوعان الماضيان الكثير من التأويلات، وهي فتحت النقاش على أكثر من سؤال واستفسار:
- ما مدى جهوزية لبنان لجبه الكوارث التي قد تقع خصوصا منها الكوارث الطبيعية؟
- ما الذي يبرر القصور اللبناني وعدم جهوزيته؟، والى أي حدّ ساهمت كارثة الطائرة المنكوبة في رفعه الى سلم أولويات الحكومة؟.
- من يعوض اهالي الضحايا ووفق أي آليات؟.
- مع بدء التحقيقات في اسباب الكارثة، من يتحمل مسؤولية النتائج التي ستترتب عنها؟
فالكارثة التي استهدفت طائرة بعد دقائق على اقلاعها من مطار رفيق الحريري الدولي سلطت الضوء على الاوضاع في هذا المرفق الحيوي ولا سيما ما يتعلق بالجهاز الاداري والتقني والتجهيزات والتشريعات التي تعوّق تفعيل العمل الاداري فيه، علماً ان الجهاز البشري المتوافر اثبت في أكثر من محطة، تفانيه وقدرته على تحمل المسؤولية الملقاة على عاتقه وكان مصدر تنويه من أكثر من مسؤول اطلع على ما قام به برج المراقبة.
وتكفي العودة الى توصيات لجنة الاشغال العامة والنقل بعد اجتماع لها في تموز 2008 لتبين الحال في هذا القطاع.
فقد تبيّن للجنة "انه بعد مرور 3 اعوام على توصيتها بانشاء الهيئة العامة للطيران المدني خلال 3 أشهر، وبعد 6 اعوام على صدور قانون الطيران المدني رقم 481 في كانون الاول 2002 والذي ألغيت بموجبه المديرية العامة للطيران المدني لم يتم انشاء الهيئة. وهذا امر مرفوض ومستغرب". والمفارقة ان الهيئة لم تنشأ حتى اليوم أي بعد مضي 8 اعوام على صدور القانون!
ولدى سؤال "النهار" المعنيين عن أسباب عدم انشاء الهيئة، اجمع هؤلاء أن الامر يواجه تعقيدات جمة ومستبعد حالياً، اذ لا يزال مرتبطاً بالسلة المتكاملة للتعيينات التي لا تزال تنتظر التوافق السياسي على اسمائها من ضمن منظومة المحاصصة السياسية القائمة. اما العمل في المطار بعد الغاء مديرية الطيران المدني فيتم بواقع ما يشبه تصريف الاعمال في انتظار تأليف الهيئة.
وكانت توصيات لجنة الاشغال قد ابرزت اخطار تأخير اصدار مرسوم تعيين اعضاء مجلس ادارة الهيئة الناظمة للطيران وتأثيره المباشر على اداء عمل الطيران المدني وسلامته كما انه " يعطل آلية تفعيل عمل الكوادر البشرية والادارية والفنية في المطار ويمنع التدرج والترفيع، والاشراف الفني على سلامة الطيران ويؤخر عملية تحديث انظمة السلامة... وجدّدت تأكيد توصياتها السابقة في هذا الشأن والمسؤولية الكبيرة التي تتحملها الحكومة بالنسبة الى المطار في الجانبين الفني والامني بما في ذلك السلامة العامة، وتاليا ضرورة تعيين الهيئة العامة للطيران المدني فوراً على أن تكون في سلم الاولويات".
والواقع ان القيّمين على هذا الموضوع اعربوا في مرحلة سابقة عن تحفظهم عن العروض التي يتلقاها عدد من المراقبين الجويين من ادارة مطار دبي بسبب الشغور الذي يخلفه ترك هؤلاء لعملهم . والمعلوم أن ثمة تفاوتا كبيرا في الرواتب بين ما يعرضه مطار دبي وما يتقاضاه هؤلاء في لبنان.
إدارة الكوارث وهيئة الإغاثة
ومن مأساة الطائرة، تجددت المطالب في اليومين الماضيين بضرورة انشاء هيئة ادارة الكوارث المقترحة منذ عام 2002 بعد كارثة التسونامي الآسيوية. ورغم مرور أكثر من 8 أعوام على الاقتراح، فان هذا الامر بقي حبرا على ورق التوصيات اسوة بالأمور الحيوية الاخرى العالقة. ومع ان لبنان معرض بطبيعته ونتيجة الاهمال الرسمي في التحوط والوقاية لكوارث الزلازل او الفيضانات او الحرائق، فان هيئة ادارة الكوارث المعنية بالتخطيط والتحوط واتخاذ الاجراءات الاستباقية ومن ثم المواجهة وادارة الازمات، تبقى ضحية المخاوف لدى بعض الجهات السياسية من تضارب صلاحياتها اذا انشئت مع صلاحيات الهيئة العليا للاغاثة. والمعلوم ان هذه الهيئة تخضع مباشرة الى رئاسة الحكومة وتشكل جهازا مطواعاً في يدها، في حين ان اي ادارة للكوارث ستضم أكثر من جهة وستتضارب فيها المصالح والنفوذ. لكن مصادر معنية بالملف، تؤكد ان لا تضارب بين الهيئتين لأن الواحدة تكمل الاخرى، والهيئة العليا للاغاثة يمكن ان تكون الذراع التنفيذي لهيئة ادارة الكوارث.
في انتظار حسم القرار في هذا الشأن، يبقى الاعتماد على همة الوزراء والاجهزة العسكرية والمدنية ضمن الامكانات المتوافرة لها والأمل بألا يتعرّض لبنان لأي كارثة لا يستطيع جبهها مع الأسف!
سابين عويس



