لأن الخطة لم تأخذ في الاعتبار الحاجات الفورية
الكهرباء مجدداً في انتظار معجزة خطة طوارئ
هذا في سوريا، اما في لبنان، فان خطة الكهرباء التي اقرها مجلس الوزراء تمتد حتى سنة 2015 لانتاج 4 الاف ميغاواط بكلفة تصل الى 5 مليارات دولار. ولكن الخطة التي اخذت في الاعتبار الحاجات الفورية للكهرباء لم تنجح في فصل تلك الحاجات عنها وجعلها قائمة في خطة طوارئ تسبق الخطة العامة للمديين المتوسط والبعيد فتحل بشكل موقت المشكلة المستجدة في انتظار ارساء الحلول الجذرية. كذلك فان اقرار الخطة لم يلحظ المخطط التوجيهي الذي سيتم اعتماده بل ان هذه الخطوة تأتي بموجب الخطة في مرحلة لاحقة، وهذا يعني عمليا ان تلمس أي خطوات ايجابية لن يتم قبل مضي اشهر على اقرار الخطة واستطرادا بأن وضع الكهرباء لن يكون افضل حالاً حتى في صيف 2011.
هل تجوز المقارنة مع سوريا حيث الاستقرار التشريعي والقرار السياسي متوافرين او حيث الانفتاح على القطاع الخاص بات امراً بديهياً بعد سياسة الانفتاح التي اعتمدتها دمشق في العقد الاخير؟
المقارنة غير الجائزة حالياً ستصح حتماً في 2013 عندما ترتفع القدرة الانتاجية لسوريا 4 آلاف ميغاواط فيما لبنان يتخبط في تشريعاته ومناقصاته والبحث عن حلول معروفة وموضوعة على الورق منذ عشرات السنين ولا تحتاج الا الى خطوات جريئة للمضي بها. لكن المشكلة التي يعيش تحت وطأتها لبنان واللبنانيون تتمثل في عدم جدية المقاربات الاقتصادية القائمة لهذا الملف بسبب خضوعها للتوجهات السياسية المتناقضة.
وتكفي العودة الى عدد الدراسات والخطط الموضوعة لدى الحكومات المتعاقبة او لدى مجلس النواب بالتعاون مع البنك الدولي او ورش العمل المنظمة لهذه الغاية، وآخرها تلك التي عقدت في ساحة النجمة، بمشاركة القطاعين العام والخاص والمجتمع المدني والمنظمات الدولية في ايلول 2008، او تلك العائدة لتقرير عن قطاع الكهرباء وضعه رئيس لجنة الطاقة والمياه محمد قباني في ايلول 2004 خلص الى تقديم "صورة قاتمة لقطاع الكهرباء" لخصها بأرقام تجدر اعادة التذكير بها لتبين مدى القصور الرسمي في مواجهة المعضلة القائمة. فالتوصيات تشير في خلاصتها الى فداحة المشكلة: انفاق فعلي تجاوز 10 مليارات دولار وإهدار سنوي بمليار دولار في مقابل تقنين قاس، ومعامل انتاج غير مؤهلة وشبكة نقل غير مكتملة، وشروط غير مستوفاة للتبادل مع دول الربط السباعي، وحاجة مستقبلية متزايدة تستوجب معامل انتاج جديدة خلال 4 او 5 سنوات، وارتفاع لاسعار النفط لا يواجه بخطوات عملية للحد من اكلافه، وجباية لا تتعدى 56 في المئة من اجمالي الطاقة المنتجة والمبيعة، ومناقصات تشغيل وصيانة لا تحظى بالمتابعة اضافة الى وضع اداري مهترئ من معالمه غياب المحاسبة المالية والادارية. ومع ذلك لا رؤية مستقبلية واضحة فاذا لم تكن هذه الوقائع تنذر بكارثة وطنية.. فماذا تكون؟".
والاجدى السؤال عما آلت إليه في 2010 ، أي بعد 6 اعوام على تشخيص الكارثة؟
في الواقع ان المعضلة التي يواجهها قطاع الكهرباء ليست الا نتيجة سوء ادارة وغياب قرار سياسي موحد بضرورة قفل هذا الملف ووضع حد للنزف المالي لخزينة الدولة من جهة ولجيوب اللبنانيين من جهة اخرى.
وامام الواقع المزري الحالي، وبعد سبعة اشهر على قيام حكومة الوحدة، وتعاقب وزيرين من التيار السياسي عينه على وزارة الطاقة (بما يجعل المدة متاحة امام هذا التيار لتطبيق شعار التغيير والاصلاح) ثمة مجموعة من الاسئلة تطرح تحت وطأة الازمة الكهربائية:
• لماذا تقتصر المواقف الرسمية على التحذير من الازمة وعدم المبادرة الى الاحتياط باتخاذ اجراءات وقائية قبل أن تقع المشكلة؟ وماذا لدى وزير الطاقة ليقدمه الى مجلس الوزراء اليوم ولم يكن قادرا على توفيره في مرحلة سابقة وكان يمكن أن تجنب البلاد تفاقم الازمة؟
• لماذا الهروب الى الامام في مواجهة مشكلة الكهرباء وعدم مصارحة المواطنين بحجمها وثقلها واللجوء الى اجراءات تحد مما سببته، على الاقل السرقات والتعليق على الشبكة، او التوعية لضرورة ترشيد الاستهلاك، على غرار ما حصل في سوريا مثلا؟
• قد لا تجدي مثل هذه الاجراءات نفعا بالنسبة الى البعض باعتبار ان اي اجراءات موقتة غير كافية للمعالجة، ولكن أليس البدء كفيلاً باعطاء اشارات الى جدية الحكومة في تحمل مسؤولياتها حيال هذا الملف؟
• لماذا الادعاء بأن لا خطوات عملية قادرة على معالجة مشكلة تزايد الحاجة على الطاقة في ظل توافر اكثر من اجراء فضلا عن توافر تمويل لا يقل عن مليار ونصف المليار دولار من اموال الصناديق العربية والبنك الدولي ( ضمن اموال باريس3) بكلفة اقل واجراءات اسهل؟
• لماذا الربط بين اقرار الموازنة وتنفيذ خطة الكهرباء؟ ولماذا ادراج انفاق استثماري على الكهرباء ضمن المشروع، علما ان اموال ميسرة من خارجها متوافرة؟ وهل هذا يعود الى توافق سياسي على ابقاء الانفاق محكوما بالقوى السياسية وليس مراقبا من قبل الجهات الممولة الخارجية؟
ايا تكن الاسئلة المطروحة فهي حتما لن تجد الأجوبة الشافية، اقله في المدى القريب.
سابين عويس



