"خان زاده" للينة كريدية
يتواتر السرد ويعلو ويلتهب ويلتقط الأنفاس
"وأخيراً، أعود إلى المنزل حيث ينتظرني كلبي العجوز وزجاجة من النبيذ. اثنان يؤنسان وحدتي التي اعتدتها مع مرور الأيام". من ذلك الطقس اليومي المتكرر، تفتح لينة كريدية نافذة سردية، تطل منها بصحبة قارئها على عوالم نساء ثلاث، يعشن أوهام المتعة برهافة في روايتها الأولى، "خان زاده"، الصادرة حديثاً في بيروت، لدى دار "الآداب" للنشر.
حين يمضي القارئ في تفاصيل الحكاية، يجد أن المدخل مناسب للنفاذ في مسام الأشخاص ومواقفهم، ورصد انفعالاتهم، وانغماسهم في حياتهم بكامل وعيهم. فالكلب العجوز يعطي انطباعاً بالألفة والوفاء، وهو ما يظهر جلياً في رصد الذات الساردة لأزمة الصديقتين، محور السرد، جيهان وروعة، بصدقية عالية، تقتضي وفاءً في تناول حياتهما عن قرب. زجاجة النبيذ تمنح الإحساس بما يمكن أن تنقله الراوية عنهما وعن ذاتها، متحررة من الوعي، ومنطلقة في فضاءات أرحب وأوسع، من دون قيود، معبّرة عن لحظات انطلاق، وجنون، وتأرجح، وخصوصاً في ما يتعلق بنطاق الجسد ومتعه الحسية ولهوه.
هذا ما نجحت الكاتبة في إمراره عن جيهان وروعة، عن ثلاثتهن، بعد أن أصبحن أقل نضارة، ولم يفقدن حماستهن: "روعة لم تتغير أبداً بمحبتها وطيبتها المطلقة". كذلك "جيهان المهمومة أبداً لم يعد أمامها سوى أن تترحم على أيام غيفارا".
تبدو الذات الساردة تحبّ الشخصيات، التي تنقب تحت جلدها، محاولة أن ترصد أهم ما يمنحها الإحساس بالسكينة وهي تنبش في أرض ملغومة. فتلك جيهان، عاشت ثائرة ومتحدية تقاليد المجمتع المحافظ من حولها، من أجل أن تعيش ذاتها منذ تفتح وعيها في المرحلة الجامعية، وتراجعها عن مذهبيتها وعصبيتها، وارتباطها بسمير: "لم تخدع الآخرين أو نفسها، وأقامت معه علاقة جنسية كاملة. هشمت وهم غشاء البكارة في زمن كان تحدياً سافراً"، لتأتي بعدها نقطة تحول فاصلة، حين يسافر سمير من أجل العمل، ويعود بزوجة "ابنة الوزير السابق"، قاذفاً بعلاقتهما في قاع البحر من دون مبرر يذكر. هكذا صار لجيهان اهتمامات أخرى، جعلتها أكثر انغلاقاً على ذاتها المأزومة: "تفضل الجلوس داخل المنزل لتستطيع أن تحتسي الكحول"، ورؤية المسلسلات زمن الباشوات والمماليك، ثم صارت مهووسة بالعطور وطقوسها المقدسة بحمّام ساخن.
مع تزايد رشفات النبيذ، تختلط التفاصيل وتتموه بين حياة الراوية وحياة روعة، بين علاقتها بنضال لسبع سنوات، وإفاقتها على صدمة أوجعت قلب العاشقة: "لم أكن أتصور أن تكون نهاية نضال، في آخر خمسيناته، أن تستهويه الفتيات دون العشرين. طالما أقنعت نفسي أن ثقافته الرفيعة واختياره الواعي، لا سيما في عمر متقدم، سيحمياننا من الفشل". ذلك ما جعلها تهرب بعيداً، وهي على اقتناع أن لا شفاء للرجل "النسونجي" الذي يعذب من حوله. تظل تلك الذات في سعيها الدؤوب لتكتشف ذاتيتها، وهي على وعي بما تنتهجه، ما يجعلها دائماً على حافة الخطر في علاقاتها، لأنها في كل مرة تختار من الرجال من لا أمل فيه بتأسيس عائلة. ربما كان دافعها هو رغبتها في تحقيق طموحها من دون قيود تحدّ من حركتها وحريتها. ذلك ما يوقفها بين وقت وآخر، لكنها لا تتوقف كثيراً، إذ سرعان ما يجدها القارئ وهي تضخ عطر النشوة في رئتيها وتتبعه بعشق، متفتحة الخلايا: "بعد سنتين من محاولاتي نسيان نضال- عشت فيها على النزوات المتلاحقة- اقتحم رامي حياتي كإله إغريقي، بكل جاذبيته ووسامته"، لتبدأ معه سنوات أخرى من الاشتعال والشهوات والنشوة، من دون أن تهدأ أو تستسلم ولو قليلاً.
تعي الذات الساردة أزمتها وأزمة الآخريات، لذا لا تتوانى بين وقت وآخر عن إضاءة بعض ملامح من طفولتهن، وهن الجارات الثلاث، اللاتي تصادقن باختلافهن وتشابههن، وعشن معاً ما مررن به وأثّر في براءتهن، كي تعطي مبرراًً منطقياً، لما يلحظه القارئ من احتفاء بالجسد ومتعه الحسية ولذته: "جيهان الطفلة المدللة بين إخوة ذكور والترف المادي، روعة المهملة التي تعيش على هامش أسرة لا تهتم إلا بالمظاهر، وأنا المرتبكة، المستغرقة في أحلام اليقظة، يصفعني الزمن دوماً، ويعيدني إلى أرض الواقع".
دلفت الراوية في نوافذ متعددة، واندمجت في حياة جيهان وروعة، في الأجزاء الأولى من الرواية، ثم أصبحت أكثر التصاقاً بذاتها، كأنها أرادت أن تحرر صورها المرتبطة بالآخريات أولاً، ثم بعد ذلك تتفرغ لتتبع صورتها، وكشف ذاتها من خلال العمة خان زاده: "أحملها في قلبي ولا أشبهها، وأنا مثلها في كل شيء، سأرحل كما رحلت، هي القديسة، وسأطوي قصتي كملايين النساء". تخرج إلى فضاء الأب لترصد رحلته الشاقة من أجل تأمين الحياة، ومن بعده الأم، وحياة العم أسامة، الذي عاش حياة الحرية، وتتبع جذور العائلة العريقة عبر سنوات طويلة، من الفرح والحزن.
هكذا يتواتر السرد في تفاصيل الحكاية، يعلو في مناطق ويلتهب في مناطق، ويهدأ لإلتقاط الأنفاس في مناطق أخرى، من دون أن تفقد الذات الساردة الخيط الذي يحرك الأحداث في الاتجاه الذي ترسمه لشخصياتها، الملتصقة بها، والتي تكمل بعضها البعض في متوالية "خان زاده"، تلك الرواية القصيرة التي تنبئ عن توحد مصير الكثير من النساء في مدينة مثل بيروت، تعيش الحرية والانفتاح، وتحكمها الطائفية، وتتنازعها القوى السياسية، وذلك كله يترك أثره الواضح في الروح والجسد.
محمد العشري



