مركز النهار للأبحاث والتوثيق بحث متقدم الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد
 
 
         
الجمعة 03 أيلول 2010 - السنة 78 - العدد 24152
 
PDF
 
 
PDF
 
 
PDF
 
 
PDF
 
   
PDF
 
     
   
PDF
 
   
 
   
 
 
PDF
 
 
 
 
 
   
   
 
   
 
   
 
 
 
   
PDF
 
   
   
 
PDF
 
 
 
   
 
       
   
 
   
   
 
     
   
   
 
   
       
       
   
 
   
 
   
       

"النهار" مؤسسها 1933:
جبران تويني
.......................................

الناشر 1948-1999 :
غسان تويني

.......................................
رئيس مجلس الادارة:
جبران تويني 2000-2005
غسان تويني 2006
.......................................
المديرة العامة المساعدة:
نايلة تويني
.......................................
رئيس التحرير:
فرنسوا عقل
.......................................
مدير التحرير:
غسان حجار
Mobile مختاراتي Widget RSS Podcast Slide Show


جريدة النهار

ارسال طباعة تصغير الخط تكبير الخط


مقتطف
مـــرض مــونـتـــانــو
ملاحظات طفيليّة

كان ليسرّني ان تزورني ذكريات ألان باولس الشخصية وتحديدا ذكريات ذاك اليوم الاستثنائي حين كتب فصلاً من مؤلفه "العنصر بورخيس" بعنوان "اليد الثانية". ينمّ ما قلته للتو عن رغبة واضحة في ان أندسّ تحت جلد باحث مثير للإعجاب، بيد ان هذه الأمنية اقلّ غرابة في العمق من رغبة كافكا في ان يغدو من سلالة الهنود الحمر. لا ينبغي لأحدهم ان يفاجأ بإعجابي بـ"اليد الثانية"، ذلك انه يتناول تأمّل الكبير بورخيس اليقظ في شأن ظاهرة الطفيليات الأدبية وفي واقع مصّاصي دم الكتب. جعلني الأمر اجوب شوارع نانت في حال من القلق والانشغال الشديدين حلّت فجأة بعدما صرت بدوري من اصناف الطفيليات الأدبية. اكتشفت في ذروة السرور اني ربما صرت كذلك قبل ان ادرك وجود كتاب "العنصر بورخيس" وقد عثرت عليه الاسبوع المنصرم هنا في برشلونة في منزل رودريغو فريسان.
يتوقّف ألان باولس في "اليد الثانية" عند الآثار الإيجابية لكتاب أبحاث اصدره بورخيس قبل عام بعنوان "نقاش" متجاوزا مراجعة نقدية سلبيّة للعمل كتبها احدهم بإسم رامون دول في 1933. كان رامون دول ناقدا قوميّا بانت نقمته على بورخيس في كتابه "الشرطة الثقافية" حيث اتهم الأرجنتيني بأنه من الطفيليّات الأدبية. كتب: "تنتمي هذه المقالات البيبليوغرافية من حيث المضمون والنيّة على السواء، الى نوع الأدب الطفيلي القائم على تكرار امور جيدة قالها آخرون على نحو سيئ، او على اعتبار "ايل كيخوتي" وقصيدة "مارتين فييرو" مؤلّفين غير منشورين، والعمد الى اجتزاء صفحات كاملة من هذين العملين. ناهيك بتنصيب نفسه الموكّل بالبحث في كل مسألة فيقنص آراء الآخرين معتمدا هيئة السذّج، بغية ان يتنبهوا الى انه ليس أحادي النظرة وانه يحترم جميع الآراء".
هل اعيد على نحو سيئ ما قاله الآخرون على نحو جيد؟ اتمنى أن لا يكون هذا صحيحا. هل اتّخذ هيئة البراءة واكتب ان باولس يقول ان المسكين دول في حال من الصدمة؟ هذا صحيح، غير ان صدمته لا تستند الى أساس لأنها تغضّ الطرف عن ان التهم الموجهة ضد بورخيس تتراءى أكيدة الى حدّ بعيد.
يشير باولس الى ان بورخيس، وعلى عكس كل ما توقعته شرطة دول، لا يعارض على الأرجح فحوى كلام الناقد، وانما على العكس: "لا يرفض بورخيس إدانة دول وانما يجعلها برنامجا فنيّا ذاتيا، من خلال توظيف حنكة الاقتصاد وحسّه لدى الضّالين العظماء، اولئك الذين يعيدون تدوير ضربات الأعداء بغية جبه ضرباتهم الذاتية. تغزر في أعمال بورخيس هذه الشخصيات السفلية القاتمة بعض الشيء التي تتبع كالطيف خطى عمل معيّن أو شخصية محددة. يتحدّث بورخيس عن المترجمين والباحثين والممثلين وحافظي المكتبات ناهيك بالسارقين ورماة الخناجر، فيعاين على هذا النحو أخلاقيات التبعية الحقيقية في غاليري من الرسوم الكاريكاتورية المجهولة. يتوّج بيار مينار سلسلة الخنوع الأدبي الواسعة من خلال انجاز فصول جديدة من "ايل كيخوتي". من يكون بيار مينار سوى ذروة الكتّاب الطفيليين، او لنقل المتنوّر الحامل دعوة التبعية في تجلّيها وفي انحطاطها؟".
هذه الشخصيات السفلية، فضلاً عن أخلاقية التبعية، تجعل بورخيس يقترب من روبرت فالسير، واضع "جاكوب فون غونتن"، وهي رواية ويوميات من صنف لافت في آن واحد. "لا يمكن تعلّم  الكثير في تلك الصفحات حيث يغيب الحس التلقيني الشخصي، في حين لن نتوصل نحن ايضا فتيان معهد بنجامينتا الى اي شيء، لأننا سنبقى غدا جميعا اشخاصا تابعين وشديدي التواضع".
كان فالسير دوما من المرؤوسين ويمكن ان يجسّد على نحو مثالي احدى شخصياته التخييلية او احدى شخصيات بورخيس الغامضة ايضا. والحال، ان فالسير عمل كناسخ في زيوريخ والتحق احيانا بـ"حجرة الكتابة الخاصة بالمتبطّلين"، علما ان بورخيس لم يبتكر هذا الاسم في اطار قصة قصيرة تتناول الناسخين ولم يخترعه فالسير ايضا. جلس فالسير الى منضدة الكتابة "مستويا في مقعد واطئ قديم عند الغروب ينيره ضوء مصباح شاحب. راح ينسخ التعليمات بخطّ انيق وينجز مهمات صغيرة من هذا النوع اوكلته بها بعض الشركات او الجمعيات او الأشخاص".
نوّع فالسير المهن، غير انه كان دوما من ذوي الرتب الثانوية واعتاد القول انه يشعر بالراحة "في الأماكن الواطئة". اشتغل على هذا النسق موظّفا في احدى المكتبات وسكرتيرا لدى احد المحامين وموظّفا في مصرف وعاملا في مصنع لماكينات الخياطة وأخيرا رئيس خدم في احد قصور بولونيا. انجز هذا كله مدفوعا برغبة دائمة في تعلّم خدمة الآخرين.
حرّكتني رغبة خدمة الآخرين ايضا. اردت ربما ان اقول للقارئ انه وبغضّ النظر عن المسافات التي يتعذّر تخطّيها بيني وبين بورخيس، يمكن مخطط عملي الأدبي ان يذكّر احيانا بالكاتب الأرجنتيني، وإن لم ادرك ذلك إلاّ اخيرا في اعقاب اطلاعي على "اليد الثانية". اردت الاعلان اني انتمي الى الطفيليات الأدبية مذ كتبت قصيدتي الأولى، وكانت كناية عن أبيات عاطفية هدفت الى جعل احدى زميلاتي في المدرسة تغرم بي. بنيتُ القصيدة وفق نسخ مباشر لشعر ثيرنودا واقحمتُ احياناً، بل احيانا كثيرة، احد ابيات الشاعر من دون حرج، من قبيل القول "احبّكِ في غمرة دفء وطنك الضبابي".
لم اجعل رفيقة المدرسة تتيّم بي، غير انها اقرّت بموهبتي الكتابيّة. عوضا من ان اتذكّر ان القصيدة كانت بنسبة ثمانين في المئة ملكاً لثيرنودا، اقتنعتُ بأن أبياتي الذاتية تلك التي تطوّرت بفضل رفقة شاعر عظيم، هي عينها راقت للفتاة. اعطاني هذا الواقع طمأنينة كبيرة مذّاك، وأثّر على نحو حازم في خطواتي الأدبية اللاحقة. رويدا، راحت نسبة المنسوخ في قصائدي تتقلّص، وبان على هذا النحو أسلوبي الشخصي المبني، قليلا او كثيرا، بالتعاون مع كتّاب آخرين مصصتُ دم نصوصهم لفائدتي الشخصية. من دون عجالة، رحت أبلور رويدا اسلوبي الذاتي، لم يكن متوهجا وانما كافيا. كان اسلوبا شخصيا بفضل تعاون سواي القسري، اي اولئك الكتّاب الذين مررتُ بهم من اجل بلورة أدبي الذاتي.   
من دون تسرع، اكتشفت اكثر من ثيرنودا واحد تراءوا لي الأوائل او الأصليين. صرت على نسق شخصيات فالسير المرؤوسة او شخصيات جوزف روث المتحفّظة تلك التي تجتاز الحياة، في حال فرار لا تنتهي. تتموضع على هامش الواقع الذين يزعجنا وعلى هامش الوجود من اجل الدفاع عن مخلّفات الفردية وعن ذاتها ازاء آليات مماثلة. وجدتُني عند الآخرين. وصلتُ في اعقابهم. رافقتُهم اولا وتحررتُ لاحقا. يسعني القول انه بفضل دعم ثيرنودا الحامي، بدأت امشي من تلقاء نفسي ورحت اكتشف الى اي فئة من الكتّاب انتميت. ادركتُ ايضا ما لم أكن عليه، او من كنتُ بنسب قليلة جدا. أدركتُ ان أسلوبي الأدبي كناية عن ترسّبات، غير ان هذا افضل من اللاشيء. يمكن تطبيق المنطق عينه على طبيعة وجودي. املك اليسير من الحياة الخاصة كما تجلّى، غير انها الحياة خاصتي، وهذا يبدو لي على قدر كبير من الاهمية. نظرا الى حال الدنيا، يتراءى ان الحصول على القليل من السيرة الذاتية يعني الكثير.   
اعرف القليل عن نفسي، غير ان هذا ربما يكون أفضل. يستحسن ان يحظى المرء بحياة "وجيزة وهادفة"، وانما ان يحصل على قسط من هذه الحياة، علما ان كثيرين لا ينالونه حتى. ربما يكون من المثالي إبقاء هذا الوضع، على نسق قول غوته لإيكيرمان "لا اعرف نفسي وأتمنى ألاّ اعرف نفسي ابدا".  
يعتقد موسيل ان اليوميات الحميمية تؤكّد ان المرء لا يعرف نفسه ابدا. كان يظن اليوميّات الشكل السردي المستقبلي الوحيد، ذلك انه يحوي جميع أشكال الخطاب الممكنة. في الواقع لم يقل هذا بحماسة، ذلك انه ظنّ الإيمان بأن اليوميات قادرة مثلا على مساعدتنا في معرفة انفسنا، مضيعة للوقت او تطيّر فحسب. اما اليوميات التي كتبها فتظهر غياب الثقة باليوميات الحميمة، ذلك انها لا تتخطى السيرة الذاتية السلبية، وهي ابرز الامثلة على التناقض مع مفهومها.  
تشكّل اليوميات بالنسبة إلى موسيل النوع الأدبي الأدنى. وهذا لا يفاجئ عندما نعي رأيه في خصوص كتّاب اليوميات الحميمة، ذلك انه يعتقد ان هؤلاء لا "يجدون فيها تفاصيل تهمّهم". يسأل ما الذي يدّعون انهم يهتمون به، مضيفا ان "اليوميات هي احدى علامات زمنها. تنشر يوميات كثيرة، وهي الشكل الأكثر عملانيّة والأكثر فوضويّة. لا بأس. غير ان من المحتمل ألاّ ينشر في الأمد المنظور سوى اليوميات، في حين يعدّ الباقي غير مستحق. تختزل اليوميات بالتحليل فحسب، من دون نقصان او زيادة. ليست فنّا، ولا ينبغي لها ان تكون كذلك. ماذا ينفع اذاً الإصغاء الى كلام مماثل؟".
يمكن القول ان خطتي المستقبلية مذ بدأت الكتابة من خلال نسخ ثيرنودا، تختزل بإصراري على ان لا أعرف نفسي ابدا او ربما قليلا فحسب، وان أكون من أصناف الطفيليات تجاه الكتّاب الآخرين، من اجل ان ينتهي بي الأمر في رفقة بصيص أدب ذاتي. سيقال ان هذا كان مشروعي منذ بدأت بنسخ ثيرنودا. والحال اني رحت استند الى مقولات الآخرين من اجل التعرّف الى نطاقي الذاتي الضيّق كمرؤوس، وفي الوقت عينه من اجل اكتشاف اني لن اعرف نفسي تماما في النهاية، ذلك ان الحياة ليست وحدة تتكوّر حول نواة. في حين يسعني ان اكون اكثر من شخص، بل صلة مذهلة بين الاقدار المختلفة ومجموعة من الاصداء المنبثقة من مصادر متنوعة. يمكنني ان اكون كاتباً ملعوناً، أرغم وفق الظروف التي سمحت لي بالعيش على ممارسة نوع أدبي يتجاوز السيرة الذاتية، اي التخييل الذاتي، غير اني اعي مع حلول زمن العقاب انه لا يزال يعوزني الكثير.

ترجمة ر. ر.     
(عن القشتالية)      


ارسال طباعة تصغير الخط تكبير الخط

   


  إنه الأدب الباهر جنّاز لحقبة الطباعة وسخرية من فرضيات نهاية العالم
  قـــــراءة الألــــم

جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2010
welcome to annahar pdf welcome to annahar audio