مركز النهار للأبحاث والتوثيق بحث متقدم الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد
 
 
         
الجمعة 05 شباط 2010 - السنة 77 - العدد 23951
 
PDF
 
 
PDF
 
 
PDF
 
 
PDF
 
   
PDF
 
     
   
PDF
 
   
 
   
 
 
PDF
 
 
 
 
 
   
   
 
   
 
   
 
 
 
   
PDF
 
   
   
 
PDF
 
 
 
   
 
       
   
 
   
   
 
     
   
   
 
   
 
   
       
       
   
 
   
 
   
       

"النهار" مؤسسها 1933:
جبران تويني
.......................................

الناشر 1948-1999 :
غسان تويني

.......................................
رئيس مجلس الادارة:
جبران تويني 2000-2005
غسان تويني 2006
.......................................
المديرة العامة المساعدة:
نايلة تويني
.......................................
رئيس التحرير:
فرنسوا عقل
.......................................
مدير التحرير:
غسان حجار
Mobile مختاراتي Widget RSS Podcast Slide Show


ارسال طباعة تصغير الخط تكبير الخط


مقتطف

كان كوغيتو مستلقيا في المكتبة ينصت باهتمام كلي الى ما يأتيه عبر السمّاعات. ما كاد يسمع كلمات "هذا ما يجري، انا ذاهب الى الجانب الاخر"، حتى قرقع شيء على الارض. حلّ سكون تام قبل ان يتابع غورو: "غير ان هذا لا يعني ان التواصل سينقطع بيننا ذلك اني شغّلت نظام "تاغامي" لهذا الغرض تحديدا. اتركك الان، لأن الوقت قد تأخر بلا ريب في ذاك الجانب. عمت مساء!". احسّ كوغيتو بألم التعاسة العميق، من دون ان يفهم ما جرى، كما لو أنهم يفقأون عينيه من الداخل، من طريق السمّاعات. ظل متمددا للحظات قبل ان يرجع "تاغامي" الى مكانها محاولا في اللحظة نفسها مصالحة النوم. كان قد تناول حبة دواء لعلاج الزكام، تركته شبه دائخ، وبعد برهة بدأ يستغرق في النعاس. غير انه لم يلبث ان استيقظ بسبب ضجة خفيفة. كان النور الفلوريسنتي للمبة المعلقة بالسقف المنحني يُغرق وجه زوجته في بريق شاحب.
- انتحر غورو. وددت الخروج من دون ايقاظك غير انه لم يرقني ان تروّع أكاري برؤية عدد كبير من الصحافيين.
على هذا النحو اعلمته تشيكاشي بما جرى مع شقيقها وصديق كوغيتو منذ السابعة عشرة.
امل كوغيتو من دون جدوى ان يبعث جهاز "تاغامي" نوعا من الاشارة كمثل ما يجري مع الهواتف الخليوية عندما تصلها رسالة قصيرة.    
غير ان تشيكاشي واصلت كلامها وهي تضبط كل ذرة من العاطفة: "طلبوا من اوميكو ان اذهب للتعرف الى الجثة وهذا ما انوي فعله، سأرافقها".
اجاب كوغيتو وهو يشعر بأن امراً ما في داخله قد اصابه الشلل: "سارافقك الى حين تلتقين العائلة وبعدذاك سأعود لأترقب الهاتف. لا اظنهم سيتصلون في ساعة مبكرة". مكثت تشيكاسي واقفة في صمت مدقع تحت النور الباهت. راحت تتأمل كوغيتو يغادر سريره ويرتدي بكسل واضح قميصه الصوفي وسرواله من القطيفة المضلعة. كان آنذاك الشتاء. عندما انهى كوغيتو ارتداء الصدرية وراح يحاول بحركة ان يبلغ جهاز "تاغامي"، اوقفته تشيكاشي بصوت مقنع تماما.
- لماذا تأخذ هذا الجهاز؟ انها الالة التسجيلية حيث تستمع الى التسجيلات التي ارسلها غورو، أليس كذلك؟
في الماضي، كان يظن ان تعلّقه بأمر تافه بهذا القدر هو مضيعة للوقت، وامر عبثي تماما.
احيانا، راح كوغيتو يفكر انه من بين اولئك الذين يستقلون مقصورة القطار المتجه الى حوض السباحة، هو الشخص الوحيد يستخدم الة تسجيل عتيقة الى هذا الحد، وقد واظب على ركوب القطار عينه على مرّ سنواته الخمسين ونيف. كان الرجال الاخرون من مجايليه، اولئك الذين بلغوا نصف العمر، يحركون شفاههم على صوت محدد يستمعون اليه وكانوا يعتبرون ما يقومون به تمرينا على المحادثة باللغة الانكليزية. قبل فترة وجيزة، كانت المقصورة متخمة بأبناء الجيل الشاب يستمعون الى الموسيقى، غير انهم انصرفوا اليوم جميعا الى استخدام الهاتف الخليوي او الى الدردشة او ربما مشاهدة الشاشة امامه في حين حركوا اصابعهم بدقة لافتة. احس كوغيتو بشيء من الحنين الى هذا الضجيج المنبعث من الضربات الايقاعية التي فرّت من السمّاعات. كان كوغيتو يحمل في حقيبة ظهر، آلة تسجيل غامضة تعدّ من اجداد جهاز "واكمان"، وقد اخفاها بين اغراض الحمّام، فضلا عن سمّاعات وضعها على رأسه، بشعره المائل الى الرمادي. لم يستطع تفادي الشعور بأنه رجعي ووحيد.
كانت آلة التسجيل هذه هدية تلقاها من غورو يوم كان الاخير ممثلا يشارك في احد الاعلانات التلفزيونية التسويقية لمحل الكتروني. كان الجهاز عبارة عن مستطيل بسيط ولم يكن تصميمه اكثر تكلّفا. غير ان السمّاعات بدت بسبب شكلها الغريب كمثل "تاغامي"، وهي حشرات اعتاد كوغيتو التقاطها طفلاً عند ضفاف النهر، عندما كان يقيم في محاذاة الغابة. عندما جربّها، قال لغورو انها جعلته يبدو وكأن احدى هذه الحشرات غير المفيدة قد قبضت على طرفي رأسه.
غير ان غورو لم يتأثر البتة بمقارناته واجابه:
- ان ما تقوله يعيد التأكيد انك لا تزال طفلا غير لبق يعجز عن اصطياد الأنقليس وسمك الترويت في النهر. اخشى ان تكون هدية متأخرة بعض الشيء، غير اني ارغب في ان اعطيها الى هذا الطفل المثير للشفقة. سمِّه "تاغامي" او ما شئت، ولتتسلَّ به وانت تستعيد طفولتك. ادرك غورو على ما يبدو ان هذه الهدية امر تفه يقدم الى صديق طفولته وشقيق زوجته في آن واحد، فاستعان بموهبته الخالصة، تلك التي اتكأ اليها لإنجاز الافلام، واعتمدت على انقاذ امور الحياة اليومية الصغيرة. أضاف اذاً الى الهدية حقيبة جذابة التصميم من علامة تجارية معروفة، ووضع فيها خمسين شريط تسجيل. اعطاها الى كوغيتو في العرض الأول لأحد افلامه. في قطار العودة الى المنزل، حاول ان يضع احد هذه الشرائط في "تاغامي"، وهو الاسم الذي ستحتفظ به الالة. غير انه لم يتنبه الى انه كان عليه ان ينجز وصل السمّاعات قبل ان يضغط على مفتاح التشغيل. في كل حال، بدأت المكبّرات تصدر من تلقاء نفسها صوتاً قادراً: "اه، اه، ستخرج رحمي من جسمي! اريد ان اغادر!".  
كانت تلك فضيحة مدوّية، ولم يدرك ما عليه فعله ازاء ركّاب القطار الذين راحوا يتململون.
والحال، ان غورو لم يعلم ماذا ينبغي له ان يفعل بهذه الاشرطة الصوتية غير القانونية التي باعه اياها احدهم في استوديو سينمائي.
وفي حين لم يهتم كوغيتو يوما لهذا النوع من الامور، فإنه أمضى للمفارقة نحو مئة يوم يهجس بها.
كان كوغيتو في تلك الفترة تحديداً، غارقا في كآبة مديدة، وقد ادرك غورو واقع الحال التي يرثى لها من طريق تشيكاشي، ففكر في أن عنصرا بشريا دنيئا قادر وحده على علاج امر على المقدار عينه من الدناءة. عندئذ اهدى اليه "تاغامي" مع الاشرطة، علما انها في اي حال اساليب تعبير انساني. هذا ما روته تشيكاشي لكوغيتو بعدئذ، غير انها لم تكن على بيّنة من مضمون الاشرطة.
وكان كوغيتو مصابا بالاكتئاب بسبب حملات نقدية شرسة ومتكررة شنّها عليه خلال ما يزيد على عقد، احد الصحافيين اللامعين العاملين في صحيفة بارزة، وذلك تحت ستار المصلحة العامة.     
لو انه كان آنذاك مشغولا بالقراءة او الكتابة، لما اثّر فيه الامر، غير انه قضّ مضجعه بسبب سأمه. كان يستيقظ فجأة في وسط الليل ويتذكّر الاقوال التشهيرية لهذا الصحافي الموهوب، وكانت تراوده ايضا خلال مشاركته في أحد واجباته. لشدة تحذلق هذا الصحافي، كان يرسل اليه بالفاكس ايضا ومن دون توقّف، مقتطفات من مقالاته المنشورة في المجلات او مسوّدات مخطوطاتها التي ذيّلها دوما بكلمة "تحياتي". عندما كان يستعيد كلماته القاسية وهو مستلق في سريره او خلال تجوله في الشارع، لم يستطع سوى ان يستمع الى ذاك الصوت الاكثر تمثيلا للحال الانسانية في محاولة لمنافسة وضعه العاطفي الراهن والسيئ. اكد غورو لكوغيتو انها لطريقة فعالة بلا ريب.  
مرت خمسة عشر عاما مذاك، وكان كوغيتو يعتزم السفر الى الخارج، فراح يجمع وثائق يحتاج اليها. في احدى زوايا مكتبته وفي غمرة منشورات مختلفة وقصاصات صحف مما كتبه هذا الصحافي، وجد الحقيبة الأثيرة. راح يفكر في احتمال ان تتحطم الطائرة التي سيستقلها وان تضطر زوجته تشيكاشي عندئذ الى ترتيب مكتبته. ماذا كان ليحصل عندئذ لو انصتت الى الشرائط من باب المصادفة؟ لهذا السبب قرر ان يودع تشيكاشي مجموعة اغراض معدة للتلف، وطلب منها ان تسأل شقيقها ما اذا كان مهتما بالاحتفاظ من بين المقتنيات بتلك الحقيبة. على هذا النحو ظلّت الحقيبة في متناول غورو خلال بعض الوقت، غير ان الحقيبة عينها عادت الى منزله وفي داخلها ثلاثون شريطا، بعد مرور عامين او ثلاثة على ذهاب كوغيتو الى بوسطن. اخبره غورو انه سيواصل ارسال مزيد من الاشرطة ما ان ينتهي من نسخها لكي يكتمل محتوى الحقيبة التي حوت خمسين شريطا. وفق غورو، لم تكن الاشرطة تستأهل الاستماع مباشرة، غير ان تشيكاشي اجابت شقيقها، على ما يبدو من دون ان تعلم بمضمونها، انها تعتقد ان من المفيد ان يستمع اليها زوجها، نظرا الى دنوه من الشيخوخة، مع ما ينطوي عليه ذلك من خطر الاصابة بالاكتئاب.
اشتبه كوغيتو بما يجري وراح يستمع الى احد هذه الاشرطة. حصل تماما مثلما اعتقد. كان الصوت الذي يأتيه من طريق السمّاعات صوت غورو. بدا كأنه يحاول ان يسرد من دون ترتيب كرونولوجي، قصة صداقتهما منذ طفولته في ماتسوياما او "ماتشاما" مثلما كان غورو يلفظها، على جزيرة شيكوكو. كانت تلك طريقة في التحدث اكثر منها مونولوغا، لكأنه حوار مديد يجري عبر الهاتف. استمع كوغيتو الى التسجيل قبل ان يخلد الى النوم وهو يضع السمّاعات، وراح يهيم بين ذكرياته الكثيرة. واصل تلقيه التسجيلات من دون انقطاع، وكان ثمة فاصل زمني بين تسجيل وآخر. اكتسب كوغيتو عادة الضغط على زر التوقف، وكان هذا يتيح له فرصة ابداء رأيه في ما سمعه للتو، وكأن ثمة حواراً ثنائياً يجري. صار الامر روتينا، ولم يلبث جهاز "تاغامي" ان صار بالنسبة اليه بديلا من الهاتف.
عندما وصله خبر رحيل غورو الذي رمى بنفسه من اعلى احد المباني، كان يستمع وهو مستلق في السرير الى تسجيل وصله للتو، عبر مرسل. بين الوقفة والوقفة في سرد غورو، كان كوغيتو يُدخل تعليقاته، او على  الاصح، اجاباته التي بدت طبيعية تماما في سياق حديث معين. على رغم انه كان يكرر في تلك الليلة النطق بالافكار التي راودته، على ما درج، فقد رغب في استخدام آلة تسجيل ثانية من اجل حفظ تعليقاته، وذلك لكي يتمكن من توليف الصوتين في شريط ثالث.


ترجمة ر. ر.     


ارسال طباعة تصغير الخط تكبير الخط

   

  لا نعرف متى يبدأ الكاتب ومتى ينتهي
    في الواجهة
  زياد الرحباني: صائد التحولات والانكسارات

جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2010
welcome to annahar pdf welcome to annahar audio