تهديد وليس فتنة
اغتيل رفيق الحريري في 14 شباط 2005. لم يخرج أهله ومن ينتسب اليه في السياسة الى الشارع شاهرين الدم والنار في وجه أحد، لا فرداً ولا طائفة، ولم يكن عسكر نظام الوصاية ليحول دون ذلك لو أرادوا، سواء لمصلحة له أو لسياسة احتواء الغضب.في 16 آذار 1977، اغتيل كمال جنبلاط، وما كاد الخبر يذاع حتى ابتلي الجبل بفتنة طائفية درزية – مارونية، شقت درباً للتهجير لم تستكمل العودة منه الى اليوم.
بين الاغتيالين، مرّ اغتيال بشير الجميّل في 14 أيلول 1982 فوقعت فتنة مسيحية – فلسطينية حفرت الى اليوم على جبين اللبنانيين جميعاً عار الاعتداء على عزّل.
في الاغتيالين الأخيرين (جنبلاط والجميل) من يقول ان أهل الضحيّة أذعنوا للغضب واتجهوا الى تنفيذ انتقام دامٍ، من دون أن يكون لديهم ما يثبت مسؤولية الضحايا عن مصابهم، وزادهم تصميماً أنهم كانوا لحظتها متفوّقين سلاحاً وجغرافية، وحتى منفردين بقوة النيران.
يحاول البعض اليوم الايحاء أن قرار المحكمة الدولية سيكون مسيّساً وسيؤدي الى فتنة سنّية – شيعية، لأن الاتهام سيطول "حزب الله" أو عناصر من عديده أو قيادته.
نظرياً هناك احتمالان للفتنة: الأوّل أن يطلقها السّنة، لكونهم "أولياء الدم"، والثاني أن يتولى اشعالها "حزب الله" تمرداً على "مظلومية" تلحق به حسب زعمه، ويريد أن يعممها على كل الشيعة.
لكن الوقائع تكذّب الاحتمال الأول. فليس لدى "أولياء الدم" سلاح مقاتل من جهة، ولا ينقصهم العلم، اذا ما وجد السلاح، لمعرفة أن لا قوة محلية يمكن أن توازن وتوازي الـ40 ألف صاروخ اضافة الى ما يهبط من اللامكان من سلاح حديث توفره الجمهورية الاسلامية في ايران لذراعها الاسلامي في لبنان.
أما الاحتمال الثاني ففيه وجهان: واحد يقول ان المتهم يمكنه الرد عن طريق المحكمة، أو تجاهل اتهامها بحكم قوة الأمر الواقع التي يتمتع بها الحزب ويدير بها البلاد بالطول والعرض، ولا يهمه في ذلك أي رد فعل. والثاني يؤشر الى أن من يعتبر نفسه، سلفاً، متهماً، يستعذب لحظة القرار الاتهامي مناسبةً لاشهار وضع يده على مجريات الحياة في البلاد، واستئناف ما توقف في 7 أيار.
"يعرف الاسرائيلي أن أي توتير داخلي (لبناني) هو خدمة له بمعزل عن مسؤولية أي طرف في هذا الأمر". هذا ما قاله الأمين العام بنفسه. مع ذلك كان له خطاب أقل وصف له أنه "ريختر" في التوتر. فهو يريد أن يلغي المحكمة من أساسها جاعلاً من معلوماته عن الاتهام، وهي أقرب الى استنتاجات مبنية على كلام اسرائيلي، في محل ايمان مطلق غير قابل للنقض، وحاسماً في أن أي اتهام، تحديداً لجماعته، سيكون مبنياً على بيانات الاتصالات الهاتفية. أما الشهود فكلهم شهود زور.
بمعنى آخر، ليس للمحكمة سوى أن تقفل أبوابها، من دون نقاش في هوية المتهمين أو في الأدلة، وان يكن الثمن فتنة مذهبية، يخيف اللبنانيين بها من يملك القدرة على اسقاط السلم الأهلي.
للتذكير، فان التلويح بالفتنة لم يرد الا على ألسنة الامين العام ومؤيديه وحلفائه، تعقيباً على أقوال لهم توقعت اتهام عناصر وقيادات من حزبه، حملتها مجلة "دير شبيغل" الألمانية، ورفضت قوى 14 آذار جمعاء الأخذ بها بل أدانتها ووصفتها بأنها محاولة تسييس للمحكمة الدولية.
مع ذلك، يهدد الأمين العام بما يشبه امتلاك القدرة النووية الحربية الايرانية، وهو السيطرة على البلاد. فهذا هو أقل وصف لما يهدد به في وجه أطراف عزل. فالفتنة التي يلوح بها لن تتحول حرباً أهلية، ما دام الطرف المقابل لا يملك السلاح الموازي، فهل تقبل طبيعة المنطقة وهويتها بانقلاب يحمل طابع حزبه حتى لو نجح، ربما، في تلوينه بقوى استلحاقية قد لا يعدم طريقة لاستنباتها؟
لكن هل هذا هو كل السيناريو المنتظر؟.
عام 1976، قصد أركان "الجبهة اللبنانية" دمشق لطلب تدخّلها العسكري كي توقف حصار "الحركة الوطنية" للمناطق المسيحية. تولت سوريا ذلك بعنوان اضافي هو حصر النيران الطائفية اللبنانية كي لا تمتد الى سوريا نفسها، وبدعم عربي وبركة دولية.
فهل يكون عام 2010 عام توجّه "جبهة لبنانية" جديدة الى دمشق لوقف حصار جديد، فتتدخّل دمشق، وبمباركة عربية، لحصر النيران المذهبية؟ وهل تأتي دمشق وحدها أم تساندها أنقرة؟ وكيف سيتواءم كل ذلك مع كلام الرئيس السوري على أن لا عودة لجيشه الى لبنان؟
هذا السيناريو أطلقه الاعلام القريب من "حزب الله" قبل فترة. وربما سيكون تداوله في الغد. كما اتهام "حزب الله" بجريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، فيستخدم ضد من قرأ، وليس ضد من أوحى وكتب وروّج.
rachfay@gmail.com
راشد فايد
rached.fayed@annahar.com.lb



