قبل الانفجار: الاستماع المتبادل ؟
افضل ما قاله وليد جنبلاط في الآونة الاخيرة دعوته القوى السياسية المعنية بملف المحكمة الى الحوار، بذريعة ان الحوار لم ينقطع حتى في اقسى الظروف التي مر بها لبنان خلال السنوات الخمس الاخيرة. هذا اقتراح ايجابي ينبغي البناء عليه من باب الاستماع المتبادل وطرح الهواجس على طاولة حوار مباشر. وإذا كان "حزب الله" المتوجس من المحكمة الدولية، وقد ذهب الى حد اتهامه اياها بأنها اسرائيلية، يسعى الى اسماع صوته بالعقل والتعقل، فإن الجلوس الى طاولة حوار بين جدران اربعة يظل اكثر افادة للجميع من اطلاق حملة "اسرلة" للمحكمة مشفوعة بحملة تهديد موجهة شطر الجمهور الاستقلالي اذا ما استمر في تأييد الحقيقة والعدالة. وكما سبق ان قلنا مرارا، فإن الفتنة التي يجري التهديد بها معروف كيف تبدأ ومن يبدأ بها، ولكن كيف تنتهي ومن ينهيها فأمر آخر، ولا يجوز ايصال البلاد الى تجربة الفتنة لانه قد تصعب العودة عنها.اذاً، وبالعودة الى اقتراح جنبلاط الجلوس والتحاور، وما يتضمنه من وقف الحملات والاتفاق على اجتماعات بين سعد الحريري والسيد حسن نصرالله وفق قاعدة جديدة يطرح فيها الطرفان كل ما عندهما من اجل الخروج بحل معقول ومنطقي للازمة التي يفتعلها "حزب الله"، والذي يلعب بنار الفتنة من دون ان يجد حلا للمأزق الذي حشر نفسه فيه.
بداية لم يصدر القرار الظني، وليس ثمة ما يؤكد ان اتهامات ستطاول عناصر او قادة من الحزب، وتاليا فإن الحرب الوقائية التي يشعلها نصرالله لا تقود الا الى نتيجة واحدة هي تعميق الهوة مع شرائح واسعة من اللبنانيين سترى في الموقف غير المعقول ما يثبت ان للحزب يدا في الجرائم التي حصلت بدءا بمروان حماده ورفيق الحريري والى آخر الشهداء في ثورة الارز.
ربما كان جنبلاط اكثر القادرين على الدفع في اتجاه خفض منسوب التوتر، والجلوس حول الطاولة بحكم حلفه المستجد مع "حزب الله"، وبحكم استمرار علاقة معقولة مع حليفه السابق سعد الحريري، وهو مسموع الكلمة اقله في "بيت الوسط".
نحن لا ندعو الحريري الى المساومة على المحكمة، بل الى الاستماع لنصرالله للوقوف على كل ما لديه من معطيات (اذا كانت لديه معطيات صلبة)، وفي المقابل لا نطلب من نصرالله السكوت عن ظلم (اذا كان هناك ظلم سيقع عليه)، بل نطالبه بأن تنتظم حركته السياسية ضمن الآليات السلمية، فلا يهدد لبنانيين لا يشاطرونه الرأي ولا يذعنون لمشيئته، بل ان يحترم وجود رأي عام لبناني واسع يعتبر ان دماء شهداء الاستقلال تستحق ان تلاقي العدالة اخيرا من اجل ان يتوقف مسلسل القتل من غير محاسبة.
ان طلب الحقيقة ثم طلب العدالة امران لا يناقشان، لا اخلاقيا ولا شرعيا ولا قانونيا ولا سياسيا، ونصر الله لا ينكر ذلك. هذه بداية "طيبة"، انما المهم ان يكون نقاش في كيفية تحصينهما من التسييس وهو سيف ذو حدين: فإذا كان مطلوبا ألا يكون تسييس على حساب ابرياء فالاهم ألا يأتي تسييس على حساب الضحايا !
نعم، ان نصرالله محق بقوله انه امام مشكلة مثل سعد الحريري، ولكن ربما كان عليه ان يعي ان معالجة مشكلته (لا نعرف حجمها) لا تكون بتفجير البلد على رؤوس الآخرين... وعلى رأسه ايضا!
فلتفتح قنوات الاستماع المتبادل...
علي حماده
ali.hamade@annahar.com.lb



