الشعور بالظلم مفتاح لأزمة كبرى مقبلة
دخل لبنان من خلال التوتير الذي يمارسه "حزب الله" مرحلة بالغة الخطورة. فالتذرع بقصاصات ورق من الصحافة الأوروبية، وتصريح لرئيس اركان الجيش الاسرائيلي غابي اشكينازي هما من اجل دفع الأمور في البلاد نحو انفجار لن تحول دونه إلا عودة "حزب الله" الى التعقل في التعامل مع شركائه في البلاد. فلبنان يعيش اليوم مجدداً مرحلة التهديد والوعيد والترهيب، مع اعادة وضع المسدس على الطاولة، وطرح مطالب تعجيزية، كالطلب من سعد الحريري ان يجول في العالم للعمل على اسقاط القرار الاتهامي قبل ان يصدر وتعطيل المحكمة قبل ان تباشر اعمالها، وبمعنى آخر الطلب من الحريري ومن أهل جميع شهداء ثورة الارز ومن جمهور لبناني غالب ان يقبل بتعطيل العدالة، لا لشيء إلا لأن "حزب الله" التنظيم المسلح يشتبه بإمكان توجيه اصابه الاتهام الى افراد او قيادات امنية منه. ومتى كان "حزب الله" فوق القانون والبشر والعدالة اولا ليجزم ان القرار الاتهامي مسيس، وثانيا ليؤكد ان المحكمة مسيسة؟ ان ما كاله السيد حسن نصرالله في مؤتمره الصحافي، والاتهامات التي كالها، تارة للاستقلاليين اللبنانيين، وطورا للتحقيق والمحكمة الدولية، لا تقوم إلا على منطق الاستقواء بالسلاح وعلى الدم الذي امتهن اراقته من دون ان يجد من يحاسبه باسم اكبر كذبة في التاريخ: السلم الاهلي والوحدة الوطنية.لا وحدة وطنية ممكنة لا اليوم ولا غدا ما لم تَسد العدالة. فالشعور بالظلم في الوسط الاستقلالي في لبنان وعالم الانتشار كبير للغاية، وهو مفتاح لأزمة كبيرة نعرف متى تنفجر ولكننا نجهل متى وكيف تنتهي. ومن هنا فإن التهديد المبطن بفتنة ردا على القرار الاتهامي الذي لا يعرف مضمونه سوى المدعي العام دانيال بلمار هو منتهى التهور في بلد قلنا اكثر من مرة ان القوة المجردة لا تكفي للسيطرة عليه ولكمّ الافواه فيه. فالتحكم في قرار شريحة من شرائح المجتمع اللبناني شيء والتحكم في اللبنانيين وإن حصل لبعض الوقت شيء آخر أشبه بهدية مسمومة.
ان خطاب "حزب الله" ضد المحكمة يسيء الى نصف المجتمع اللبناني على اقل تقدير، وهو رسالة سلبية مفادها ان القتل في لبنان جائز لا بل يمكن ان يُكافأ اصحابه من خلال حمايتهم باستحضار اسطوانة المخطط الاسرائيلي في كل وقت. فلماذا لا يحتكم الحزب كما كل اللبنانيين الى العدالة فينتظر القرار الاتهامي ويدرس نصه بتمعن أياً تكن الجهة التي سيوجه اليها الاتهام؟
ان محاولة فرض اجندة مناقضة لما ناضل من اجله ملايين الاستقلاليين، بالقوة والترهيب والتهديد والوعيد لا تؤسس إلا للفتنة التي يزعم السيد حسن نصرالله انه يتخوف منها ويعمل جاهدا على تفاديها.
ان المطلوب هو التعقل، والعودة الى اجماع الحوار الوطني المتعلق بالحقيقة والعدالة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر الشهداء في ثورة الأرز، اما نظرية الاكتفاء بالحقيقة والتنازل عن العدالة التي طورها اصحابها الى نظرية التنازل المزدوج عن الحقيقة والعدالة معا لتجنيب لبنان ويلات غضب "حزب الله" المدجج بالسلاح، فأمر غير ممكن لأن السكوت عن القتل في الماضي لم يوقف القتل بل فاقمه منذ اغتيال والد وليد جنبلاط "صديق" "حزب الله" الجديد!
ان المساومة التي يقال انها ترضي "حزب الله" لن تهدئ من روعه، ولن تخفف من زخم انقضاضه على الكيان والنظام والسلطة والدولة، بل ستفتح الابواب امام الدويلة لكي تأكل الدولة والارض والشعب معا. من هنا نقول ان الاستسلام ليس خيارا. وإذا كانوا يهددون بـ 700 ايار جديدة فليتفضلوا ولتتفاقم عزلتهم الداخلية التي تشبه الى حد بعيد عزلة المحتلين!
علي حماده
ali.hamade@annahar.com.lb



