كيف ينظر الفريق المنافس لـ14 آذار
إلى أبعاد لقاء "البريستول" ومشاركة الحريري فيه ؟
وبالطبع كانت قوى المعارضة ولاسيما الرئيس نبيه بري و"حزب الله"، يتعاطيان مع الخطوة التي سيخطوها الحريري في هذا المجال من منطلق انها مؤشر ومعيار لسلوكه في المرحلة المقبلة، او هي مصداق لمضامين ما ارسله من اشارات ورسائل في الاشهر القليلة الماضية، والمنطوية على رغبة في ان يتبوأ بجدارة مقعد الرئاسة الثانية ويقدم نفسه بامتياز رئيساً لوزراء كل لبنان.
اما وان رياح الحسابات الحريرية الدقيقة والمعقدة قد سارت باتجاه مخالف لما اشتهته سفن آمال قوى المعارضة، وتالياً آثر الرئيس الحريري ان ينضم الى الجمع الجالس خلف الطاولة المستطيلة في الفندق الأعرق في العاصمة، وان يصدر عن المجتمعين بيان بهذه الصيغة وبهذه المضامين، فان دوائر القرار والقراءة في مكونات الفريق الآخر لاذت بقراءة معينة لأبعاد المشهد السياسي الذي استحوذ ولا ريب على الاضواء والانظار عشية الاحد الماضي، وهو ينهض على الاسس والمعطيات الآتية:
- ان عنصر المفاجأة الذي يكاد يكون وحيداً في مشهد يوم الاحد المنصرم، كان انضمام الرئيس الحريري الى هذا الجمع المحتشد. من الاساس لم تكن هذه الدوائر جازمة وقاطعة في اعتقادها بأن الحريري لن يشارك في هذا اللقاء، فالامر كان في حسبانها في حده الأدنى، ولكنها كانت تلقت أكثر من رسالة ضمنية تفيد بأن الحريري سيحسب الف حساب قبل ان يغامر برصيده كرئيس وزراء لكل لبنان، وتالياً يعود الى مربعه الاول كزعيم لفئة سياسية.
ولهذا السلوك المخالف نوعا ما للتوقعات، او لما خالته المعارضة "تطمينات ضمنية"، تبريراته ومسوغاته المتعددة عند الدائرة المحيطة بالرئيس الحريري، ولكن له في المقابل حساباته لدى دوائر المعارضة، إذ ترى صراحة ان الحريري اضطر الى ان يمضي الى طاولة اللقاء اضطراراً وذلك تحت وطأة الحاجة الى امرين اثنين ملحين:
1 - ان لا يبهت هذا اللقاء ويفقد وهجه وبريقه، بعدما غادره احد ابرز اركانه رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط الى حيز آخر.
فالمعارضة لا تخشى القول ان هذا اللقاء بلا "عقله المحرك" اي النائب جنبلاط بات في وضع المبتور، وسيمضي وقت طويل قبل ان يجد اركان اللقاء من يعوض غياب هذا الرجل ويملأ الفراغ المدوي الذي احدثه.
وعليه فإن دوائر المعارضة، لا تخفي في وصفها لمشهد لقاء البريستول ان حضور الحريري اللقاء، ينطوي ضمناً على رد مكتوم وغير مباشر على النائب جنبلاط، فحواه ان غيابك عن هذا اللقاء الذي رعيته وساهمت في خروجه الى النور واخذه الى حيزه الحالي، لا يعني انفراط عقده وتشظي حباته، وأن بامكانه الاستمرار من دون حضورك.
2 - في كل سلوك الرئيس الحريري حيال اللقاء، بدا جلياً ان الرجل ما زال حريصاً كل الحرص على بعث الحياة وبث الروح في لقاء 14 آذار، ويريد هذه الصيغة حية ولو بالحد الأدنى، لأنها ما زالت بالنسبة اليه حاجة أساسية تلبي الكثير من طموحاته ومشاريعه وتوجهاته.
ولأن القوى التي لم تبرح هذا اللقاء، ولاسيما ممن صار يطلق عليهم اسم مسيحيي 14 آذار، يدركون هذه الحقيقة تمام الإدراك، فإنهم برعوا في استدراج المكاسب منه، لذا خضع هو أولاً لمطلب الحضور شخصياً في لقائهم، ونزل لاحقاً عند توجههم بأن لا يكون الاحتفال هذه السنة في قاعة "البيال" ومقتصراً على حضور محدود وبرنامج شديد الرسمية، كما طرح في بعض الاحيان، وربما أذعن لمطلبهم أن يكون في احتفال ساحة الشهداء الموعود في 14 شباط أكثر من كلمة.
ولم يعد خافياً أن دوائر المعارضة هي على بيّنة من فحوى الاجتماع الذي عقد في "بيت الوسط" الأحد ما قبل الماضي والذي جمع الرئيس الحريري وركن 14 آذار المسيحي الرئيس أمين الجميّل وقائد "القوات اللبنانية" سمير جعجع، والذي تم خلاله التداول في فكرة أن تلقى خلال المهرجان أربع كلمات هي، الى كلمة الحريري، كلمة الرئيس فؤاد السنيورة، ثم كلمة جعجع وأخيراً كلمة الرئيس الجميّل.
ولم يقف البحث عند هذه الحدود، إذ تناول ايضاً مضامين هذه الكلمات، لذا عرضت فكرة ان تكون كلمة الحريري كلمة عامة تتناول أبعاد هذه الذكرى وضرورة ابقائها حية، والتأكيد على ان مسار التطورات السياسية والخيارات الاخيرة لم تفضِ الى مساومات على المسلّمات، ويكون محور خطاب الرئيس السنيورة الانجازات التي حققتها حركة 14 آذار في مجال استعادة السيادة والاستقلال، اضافة الى محور آخر هو محور مشروع الدولة في توجهات فريق 14 آذار.
وينطوي خطاب جعجع على عنصر اساسي وهو التطلعات البعيدة المدى لحركة 14 آذار، وخصوصاً تلك التي لم تنجز بعد. على أن يترك للرئيس الجميّل حرية الكلام حتى لو اقتضى الامر انتقاداً ضمنياً لزيارة الحريري لسوريا، وعدم ملاءمتها والمنشود منها.
3 - واذا كانت المعارضة قد بوغتت الى حد ما بحضور الحريري لقاء البريستول، فإنها وجدت في البيان الصادر عن هذا اللقاء ما اعتبرته "دليل ارباك"، فهو خلا من أي لهجة تصعيد، ومن أي نكوص الى خطاب الماضي، لاسيما لجهة سلاح المقاومة والعلاقات اللبنانية – السورية، وركز فقط على تكرار ما يعتبره لقاء 14 آذار انجازات الاعوام الخمسة الماضية، وهو ما عدته (أي المعارضة) نوعاً من التهرب من أخذ مواقف جديدة أو مميزة، وهو بالنسبة اليها مصداق آخر على ما بلغها سابقاً من أن الحريري وإن كان يريد بشدة وعزم المحافظة على وجود الاطار السياسي الذي كان رفيق رحلته الأمين منذ جريمة اغتيال والده، فانه لا يريد اعادة عجلة الامور الى خطاب ما قبل الانتخابات النيابية، وهو ما يمكن النظر اليه على اساس انه يترجم ترجمة امينة رغبة الحريري العميقة في الجمع ما بين الاعتبارين.
ومع كل هذه الدلائل والمعطيات التي باتت في حوزة المعارضة، فانها ما برحت تشد الانظار الى يوم الاحتفال الموعود، وتحديداً الى ما يمكن ان ترفع فيه من شعارات ستكون وسيلة الحشد والتعبئة، واستطراداً الى ما سيكون عليه برنامج الاحتفال، وهل سيعود الحريري الى فكرة الكلمة الواحدة يلقيها هو ام سيترك الحبل على غاربه للكلمات الثلاث الاخرى. واذا ما رست الامور على هذا الخيار فالسؤال التالي هو: ما هي مضامين هذه الكلمات؟ وكيف يمكن ضبطها؟ وما هي الحدود المتاحة للذهاب فيها؟
وعليه ستتأكد المعارضة في هذا اليوم الوشيك ما اذا كان الحريري حضر لقاء "البريستول" لكي يضبط توجهات فريقه على ايقاع توجهاته هو ام ان الأمر عبارة عن توزيع ادوار.
وبالنسبة الى المعارضة ستعتبر كلام ذاك اليوم بمثابة رسالة بأبعاد ومضامين محددة وستبني على الشيء مقتضاه. وترى المعارضة في كل ذلك المشهد الموعود امتحاناً آخر لتوجهات الرئيس الحريري، وما اذا كان قادراً فعلاً على الامساك بخطاب حلفائه وضبطه في اطار توجهاته الانفتاحية الاخيرة.
ابراهيم بيرم
ibrahim.bayram@annahar.com.lb



