استعادة طاولة الحوار لمواجهة الظروف الإقليمية
تحول الجولات الخارجية التي يزمع القيام بها كل من رئيس الجمهورية ميشال سليمان ورئيس الحكومة سعد الحريري دون اعادة اطلاق عجلة الحوار الوطني قريباً بعدما توقف في اول حزيران عام 2008 عشية الانتخابات النيابية. ورغم ان المسؤولين اللبنانيين يولون هذه الاتصالات الخارجية اهمية قصوى لحشد الاهتمام الدولي تطويقا لاي انعكاسات ترتد على لبنان عند اي خضة اقليمية، الا ان ثمة ابعادا داخلية للمسار الاقليمي لا تزال بعيدة عن التداول، وتبدو ثمة خشية متزايدة في مقاربتها على طاولة حوار مكشوفة.
حين دعا رئيس مجلس النواب الى طاولة الحوار الاولى في الثاني من آذار عام 2006، كان لبنان يعيش ارتدادات اغتيال الرئيس رفيق الحريري، مما جعل موضوع الطاولة الاساسي تشكيل المحكمة الدولية، في وقت كان المحقق سيرج برامرتس يرفع اول تقاريره عن عمل لجنة التحقيق الدولية الى الامين العام للامم المتحدة آنذاك كوفي انان. وكذلك تركزت نقاشات المتحاورين عن القرار 1559 الذي فتحت المعارضة قبل وقت قصير ملف الغائه. لم تحل طاولة الحوار التي تميزت بحضور الامين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله، والصور التي التقطت للضحكات العريضة التي طبعت وجوه المشاركين الاضداد، دون تأجيل الحوار اسبوعا تلو آخر من آذار الى نيسان فايار فحزيران، وكان الارجاء الاخير خلال البحث في ملف الاستراتيجية الدفاعية، الى 29 تموز الذي اطاحته حرب 12 تموز 2006، ودخول البلاد في اتون النار لتخرج منها على وقع القرار 1701.
وتأتي اعادة طرح طاولة الحوار، بحسب اوساط سياسية، على قاعدة انها مساحة ضرورية لا يوفرها مجلس الوزراء المحكوم بسقف اتفاق الدوحة ومفاعيل 7 أيار، في وقت ترتفع النبرة الاسرائيلية - السورية والكلام المتزايد في باريس وواشنطن وتركيا عن احتمالات الحرب. وتشير الى ان من شأن الانشغال بشكل الطاولة وتمثيل المشاركين ان يضيع البوصلة الحقيقية لهدف الحوار الذي اعيد اطلاقه بعد انتخاب العماد ميشال سليمان رئيساً للجمهورية. فأهمية الطاولة انها تعيد انتاج مناخ تهدئة داخلي بعيدا من التكتيكات الحكومية في الملفات الادارية، وكون الاطراف المشاركين في الطاولة هم الذين يمثلون اركان الصراع الداخلي واصحاب القرار الفعلي، من دون حصص وسطية ومن دون وزراء بالوكالة عن اي طرف حزبي. وفي اعتقاد هذه الاوساط ان ثمة متغيرات اقليمية يجب مواكبتها داخليا، بعدما بدأت الرياح الاقليمية تشتد تباعا عبر تبادل كلامي ترتفع حدته وينخفض بما يبقي باب الاحتمالات مفتوحا على كل انواع التطورات.
وتلفت هذه الاوساط الى ان الاشارات التي انطلقت من دمشق في الايام الاخيرة لا تزال توحي بان العاصمة السورية لا تزال تتعامل مع لبنان والمنطقة بخطوط متوازية. فهي رفضت عرضا فرنسيا للحلول محل تركيا في المفاوضات غير المباشرة مع اسرائيل، وتركت اعلان ذلك لرئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان. وكشفت اخيرا ان واشنطن ابلغتها بتعيين سفير اميركي لديها ، فيما لم يكن جف بعد حبر الرسالة التي نقلها الى الرئيس السوري بشار الاسد موفد الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي فيليب ماريني. وتوقيت الاعلان السوري لم يكن مصادفة، فالرسالة في العرف الديبلوماسي رسالة موثقة وتتعدى اطار نقل الافكار والمشاورات الكلامية. وبهذا المعنى فان الرد السوري على الرسالة الفرنسية اتى بمثابة اشارات ملتبسة اعتادت سوريا تقديمها حين تكون على مفترق اقليمي حساس، عشية التحضير لزيارة رئيس الوزراء الفرنسي فرنسوا فيون الذي كان واضحا خلال زيارته الاخيرة لبيروت وفي لقاءاته مع لبنانيين في باريس، في حرصه على تمييز الموقع اللبناني في مفكرته.
وينقل تقرير اميركي موثوق به ان واشنطن التي استغرقت عاما كاملا قبل ان تعلن انها سمت السفير الجديد، الذي قد لا يصل قريبا الى دمشق، قد تكون تهدف الى الضغط على سوريا اكثر فأكثر في شأن علاقتها مع ايران، وخصوصا على ابواب فتح ملف العقوبات الاقتصادية على خلفية البرنامج النووي الايراني. ويشير الى ان الغاية من تسمية السفير حاليا استكشاف مدى قدرة دمشق على التجاوب في الضغط على "حزب الله" و"حماس" والتشدد على الحدود مع العراق.
وبحسب الاوساط اللبنانية، فإن سوريا تريد الافادة من النافذة الاميركية التي فتحت لها، للاطلالة مجددا على دور لها في لبنان. لكن التحدي يكمن في كيفية اقناع دمشق حليفتها طهران بأنها لم تتخل عنها، في وقت تكثف التقارير الغربية الحديث عن مسؤولية دمشق في كشف شحنات اسلحة كانت مرسلة الى "حزب الله" . وجاء كلام وزير الخارجية السوري وليد المعلم في رده التصاعدي على تل ابيب، وتهديده بحرب شاملة تصل الى القرى الاسرائيلية، بمثابة اول رد تطميني لايران. ويتلخص الموقف السوري بأن سوريا لا تزال في محور واحد يجمعها ولبنان - او بالاحرى حلفائها فيه - وغزة وطهران رغم دخولها في مفاوضات غير مباشرة مع اسرائيل، ومباشرة مع الرياض، ورغم العروض الفرنسية والاوروبية عبر زيارة وزير الخارجية الاسباني ميغيل انخل موراتينوس، وقرار تسمية السفير الاميركي الجديد الذي كان المبعوث الاميركي جورج ميتشل ابلغه الى الرئيس الاسد.
من هنا يصبح لفتح الحوار الداخلي مجددا في لبنان ابعاد اخرى تتعدى الملف التقني للاستراتيجية الدفاعية الذي توقف التقدم فيه منذ حزيران 2006، ومن ثم في 2009، ولا يزال متوقفاً، فيما ملأ "حزب الله" منذ انتهاء حرب تموز، مخازنه بالاسلحة القتالية والدفاعية واعاد صوغ استراتيجيته الخاصة. وبحسب مصادر وزارية في الاكثرية، فإن سلاح الحزب الذي كان عنوانا رئيسيا على طاولة الحوار لم يعد مطروحا في الشكل الذي كان عليه سابقا، وخصوصا ان المجتمع الدولي بات واثقا من ان الدولة اللبنانية غير قادرة على حل هذه المشكلة. ولكن ثمة تحديات تتعلق بالحرب والسلم ودور الجيش وحزب الله في اي تطور عسكري باتت تفرض الدخول، ولو من دون توقعات ايجابية مسبقة، في مواجهة الملفات مباشرة بدل الهروب منها ومقاربة جدية للاسئلة التي يطرحها المجتمع الدولي والاقليمي حول تقديم لبنان ذرائع تعيد اشعال الحرب فيه.



