"ضحية" التحولات العاصفة في طائفته !
كتب ابرهيم بيرم:منذ عام 2000 وبالتحديد منذ أن أعلن عزوفه عن الترشح للانتخابات النيابية، والرئيس الراحل كامل الاسعد في حالة انكفاء سياسي، يحرص على استقبال بعض "خواصه" الخُلّص ويحرص على اطلاق مواقف سياسية بين الفينة والاخرى باسم حزبه، الحزب الديموقراطي الاشتراكي.
ألم يكن غريبا ان يعيش هذا السياسي المخضرم، في غربة عن مسرح السياسة اللبنانية الذي كان أحد نجومه المتوهجين منذ مطلع عقد الستينات وبالتحديد منذ غياب والده الزعيم الوائلي أحمد بك الاسعد، وهو في ذروة عطائه، فلقد أيقن وإن متأخرا ان الزمن لم يعد زمنه، وأن جمهوره الذي كان ممتدا ومتأصلا في طول الجنوب وعرضه، قد بدأ ينفض من حوله ويؤثر الانتقال الى مواقع سياسية اخرى، فالسياسة تكره الفراغ، وبالتالي لا تحبذ الانتظار طويلا، فثمة من سيسارع الى ملئها.
اختلف الكثيرون حول مآل الزعامة الاسعدية، وتراجع وهجها تدريجا منذ اواخر عقد الثمانينات، أي بالتحديد منذ أن انقلبت الطاولة في لبنان بعدما صار يعرف في قاموس السياسة اللبنانية بـ"انتفاضة السادس من شباط". لقد رست بعدها معادلة سياسية بمواصفات جديدة البعض رأى ان حلفاء الاسعد اضطروا الى ان يتخلوا عنه ويتركوه في الميدان وحيدا بعدما صيروه "كبش محرقة وفداء" لاتفاق 17 ايار الشهير واستطرادا أرضوا من كان يتعين عليهم ارضاءهم في ذلك الزمن وأتوا بسواه رئيسا لمجلس النواب، ومنذ ذلك اليوم بدأ التحول العكسي لدى الزعامة الاسعدية الوائلية الممتدة في عمق التاريخ الجنوبي الى ما لا يقل عن مئة عام، كانت خلالها الحامي والمدافع والمتمكن من رسم المعادلة السياسية في الجنوب، حيث كان بامكان والده الزعيم الراحل ان ينجح كل من يرشحه على قوائمه في انتخابات عقود الثلاثينات والاربعينات والخمسينات.
البعض الآخر يحبذ أن يأخذ المسألة الى منحى آخر مختلف تماما. إذ يقيم على اعتقاد بأن الزعامة الاسعدية تلقت ضربة موجعة مع رمزها الاخير كامل الاسعد لان الرجل، رغم الذكاء الذي اتصف به لم يستطع ان يتأقلم او يتماهى مع التحولات العميقة والمتغيرات الدراماتيكية التي طرأت على الطائفة الشيعية منذ نهاية عقد الخمسينات. فهذه الطائفة وقعت بفعل الكثير من العوامل والمعطيات السياسية والاجتماعية فضلا عن التحولات التي طرأت بعد احتلال فلسطين وانسداد الافق الاقتصادي امام الجنوبيين في اتجاهها واضطرارهم الى النزوح نحو بيروت وضواحي البؤس تحت وهج تأثيرين سياسيين: الاول الحراك اليساري والقومي النامي والمتصاعد، الذي وجد في أبناء الطائفة وقوده وزاده الابرز لا سيما بعدما أغراهم بدولة العدل الاجتماعي وتخليصهم من واقعهم المر والمزري، والثاني نمو الزعامة الروحية على نحو غير مألوف، مع وفود الامام موسى الصدر الى الساحة من النجف وايران، حاملا معه توجهات ورؤى تتخطى المألوف من عمل علماء الدين وأدوارهم المعهودة وموقعهم في الاجتماع المحدود بحدود الارشاد والوعظ.
وليس جديدا ان الاسعد اضطر باكرا الى ان يخوض المواجهة الشرسة مع الجبهتين اليسارية والدينية، حيث كانت معاركه الانتخايبة مع رمز اليسار الاول المقارع له حبيب صادق في مرجعيون – حاصبيا وسواه في دائرتي بنت جبيل والنبطية معروفة للقاصي والداني إذ كان مرشحو اليسار يبلون بلاء حسنا في مواجهته ومواجهة مرشحيه، ويكرسون حضورهم رقماً صعباً في معادلة حبلت بالاضطرابات ووعود التغيير القادم على صهوة الاحلام الكبرى في المنطقة عموما، وعلى صهوة الثورة على الاقطاع السياسي! كذلك صار معلوما أفق المواجهة بين الاسعد والامام الصدر، الذي حجز لنفسه مساحة كبرى على الخارطة السياسية منذ نجاحه في تأسيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في النصف الثاني من عقد الستينات، ومنذ نجاحه في خوض اختبار مواجهة اولى مع الزعامة الاسعدية وذلك في معركة الانتخابات النوعية في النبطية عام 1972 حيث فاز المرشح المدعوم من تيار الامام الصدر النائب السابق رفيق شاهين، في مقابل المرشح المدعوم من الرئيس الاسعد وهو من آل علي احمد. فكانت تلك الواقعة في نظر الكثير من مؤرخي تلك الحقبة، بداية التراجع للزعامة الاسعدية والتي تلقت ضربة كبرى في الانتخابات الاولى التي جرت بعد الشروع في تطبيق نظام الطائف عام 1992 حيث رسب الاسعد وكل من كان في عداد لائحته بفارق كبير عن لائحة تحالف حركة "أمل" و"حزب الله".
كان واضحا بفعل هذه التجربة المرة ان الطائفة الشيعية خلافا لكل الطوائف اللبنانية الاخرى شاءت ان تقضي على زعامتها السياسية التقليدية وتقصيها عن ساحة الزعامة.
طبعا يدور سجال ضمني كبير داخل الطائفة الشيعية وخارجها عن الاسباب التي جعلت هذه الطائفة "تتفرد" بهذه التجربة، تجربة اقصاء الزعامة التقليدية، لا سيما وان الطوائف الاخرى أنتجت زعامات جديدة، ولكنها حافظت الى حد ما على بيوتات سياسية تقليدية وأبقت لها حيزا ولو كان ضئيلا ومتواضعا في بعض الاحيان. ولا ريب ان ثمة من انتابتهم حالة "ندم" خصوصا ان من احتلوا المكان لجأوا الى أداء سياسي وغير سياسي شبيه الى حد بعيد في اعادة انتاج تجربة التقليد السياسي لا سيما لجهة حصر مراكز السلطة والمغانم المكتسبة العائدة للطائفة بيدهم وبيد فئة محدودة تنطبق عليها صفة الزبائنية السياسية".
والمفارقة في الامر ان البعض بات يقر الآن وبعد مضي أكثر من عقدين على التجربة الجديدة ان الزعامة الاسعدية لم تمارس سياسة اقصاء الآخرين الى حدود الغائهم كليا.
يغيب كامل الاسعد بعد انكفاء سياسي بلغ احيانا حد الغياب والمفارقة انه رفض صراحة توريث الزعامة التي ورثها عن والده الى وريث آخر. فأراد ان تغيب الزعامة التي كانت برّاقة وساطعة ووازنة على مدى عقود معه.
وفي كل الاحوال سيبقى كامل الاسعد بالنسبة الى مناوئيه ومواليه على حد سواء علامة فارقة في اتجاه السياسة اللبنانية، التي كانت مستقرة الى حد ما ومضبوطة بسقوف معقولة.
ففي زمانه كان ثمة معالم للدولة او دولة تتلمس طريقها نحو التجذر.
صحيح انه لم يتصف بصفات والده وسعيه للزعامة الشيعية المنفتحة على الجميع وهذا ما يراه البعض انه أحد أخطائه، لكن ما من أحد إلا ويقر بأنه كان صاحب حنكة سياسية، ومات وليس في عنقه دماء!



