محور
مع رمزية رحيل كامل الأسعد:
علاقة الشيعة بالكيان اللبناني بين الماضي والحاضر [4]
لــعــــنـــة الـمــــوقــــع
بقلم طلال خوجة - طرابلس
باشرت "قضايا النهار" محوراً تحت عنوان "مع رمزية رحيل كامل الأسعد: علاقة الشيعة بالكيان اللبناني بين الماضي والحاضر".
بعد تقديم جهاد الزين (طائفة بين ارتباكين... ومغامرة كبرى- 25/8/2010)، ساهم طلال عتريسي (ماذا يريد الشيعة من دولتهم؟ 25/8/2010)، وسعود المولى (مشروع الإمام الصدر المستقبلي أصبح هو أيضاً من الماضي- 29/8/2010)، ونجاة شرف الدين (سوريــا والشيعــة اللبنانيون – 1/9/2010).اليوم يساهم طلال خوجة:
حين ذهبت الى كلية العلوم المبنية حديثاً في الحدث، كنت أحمل معي اسم المسؤول الحزبي الذي سيلتحق به جميع القادمين الى هذا الصرح من أعضاء منظمة العمل الشيوعي الخارجة حديثاً من عدة أرحام بينها القومي والماركسي والبلدي.
كنا من مناطق ودساكر وعائلات مختلفة تلتحق بهذه الكلية الجميلة، التي خرجت أيضاً من أرحام مختلفة منها الشهابي الرسمي ومنها النضالي اليساري والديموقراطي. كانت أسماء عائلاتنا تتكون من دملج وخوجة وخرباوي وحمدان وعبدالساتر وبيضون وبحسون وقانصوه وغيرها. أما مسؤولنا فكان نصير الأسعد، الذي قبضنا عليه بالجرم المشهود حين علمنا في يوم الانتخابات الطالبية ان اسمه نصير بيك الأسعد وان قرابته بالرئيس الاقطاعي كامل الأسعد هي من الدرجة الأولى، اذ ان احد هتافاتنا الرئيسة كانت"واللي إقطاعي جدو بيعمل متل ما بدو".
كان البيك الاحمر الأسعدي طالباً في هندسة اليسوعية، قبل ان يحمله تمرده وماركسيته وعدم درسه الى رفاقه من الطبقات العادية في كلية العلوم، والتي حرص رائدها على دس موسيقى كلاسيكية في ممراتها ومداخلها حتى لتظن ان البيك الاسعدي لم يخسر كثيراً من القدوم اليها. ومع ان مدينتي طرابلس كانت تضم في منوعاتها بعض العائلات الشيعية التي آثرت البقاء فيها بعد تقاعدها كعائلات صادق وهو نسب والدة الأمين العام "السيد" محسن ابرهيم، وشمص ويونس، او قدمت الى رحابها من بلاد جبيل هرباً من العوز او من الجور التركي كحمادة وعلام وغيرها، الا انني لم أكن لأعرف ان معظم الرفاق الذين سألتحق معهم بقيادة البيك، هم من الطائفة الشيعية ومن مراتب وفئات إجتماعية متنوعة، ربما بسبب ضعف الحس الطائفي (وبالتأكيد المذهبي)، آنذاك حيث كنا نلتحف بالافكار اليسارية لمواجهة الاقطاع.
وقد أتى معظمنا من حركات التمرد الشامل على القيم السائدة آنذاك، وهي قيم تتغذى من سيادة نمط اقتصادي يقوم على الخدمات والريع وتوزيع غير عادل للثروة وسيطرة الاقطاع السياسي من خلال نظام طائفي لم يدركه اليساريون في البداية، متهمين الإمبريالية وغيرها "بزرع الفتن والشقاق". لم تكن الطاقات الشبابية حكراً على منظمة العمل الشيوعي أوالحزب الشيوعي بل اخترقت كل الأحزاب والفئات والهيئات التغييرية والمتنورة، كما أنّ الاحزاب اليسارية والعلمانية والديموقراطية لم تستند على ابناء الطائفة الشيعية فقط، الا ان وجودهم بكثرة كان يشير الى الحرمان المضاعف الذي يشعرون به داخل النظام السياسي الذي أطلق عليه وصف نظام المارونية السياسية (أو الثنائية المارونية - السنية)، ورغم ان الرئيس الراحل كامل الاسعد كان يجلس على يمين رئيس الجمهورية، الا ان جمهور الطائفة كان بالكاد يجد كراسي عادية ليجلسوا عليها في منازلهم المتواضعة بمجملها، خصوصاً انهم شكلوا الجزء الاوسع من حزام البؤس حول العاصمة التي اكسبت لبنان لقب سويسرا الشرق.
وللبؤس الشيعي في الكيان اللبناني حكاية طويلة ومن محطاتها، السيطرة العثمانية المباشرة في اعقاب حوداث 1860 ونشوء نظام المتصرفية، إذ ان إقطاع جبل عامل، كان يتميز باستقلال معقول عن السلطنة وتمتاز مناطقه بأوضاع اقتصادية واجتماعية مزدهرة نسبيا، كما معظم المناطق "اللبنانية" الاخرى، ومن ثم احتل الجيش التركي المناطق اللبنانية وألغى لاحقا نظام المتصرفية في عام 1915، ربما لهذا ساهم الاقطاع السياسي الشيعي ورجال الدين العامليون في الثورة العربية الكبرى بقوة ومن ثم في مبايعة الملك فيصل ودعم الاستقلال العربي الذي انتهى بعد انقضاض الجيش الفرنسي على دمشق في موقعة ميسلون، والتي بدا فيها الفرنسيون كأنهم ينتقمون عن الغرب المسيحي من صلاح الدين الايوبي المسلم (مع المعذرة من أم جوزف في مسلسل باب الحارة)، ومن ثم نشأ الانتداب الذي اقره مجلس الحلفاء الاعلى في مؤتمر سان ريمو، علما أن الفرنسيين سيدفّعون داعمي الملك فيصل ومنهم أهالي جبل عامل ثمن دعمهم.
هكذا انتقل عهد الطوائف اللبنانية الى مرحلة بناء النظام الطائفي اللبناني على اسس عصرية حديثة، وقد ولد هذا الكيان وهو حمل في ذاته التباساً حول طبيعته ووظيفته وعلاقات طوائفه ببعضها البعض من جهة، وبالخارج من جهة أخرى، خصوصاً الخارج الاوروبي الذي أعاد "اكتشاف" بيروت وجبل لبنان في القرن التاسع عشر بعد حملة نابوليون على مصر وبعد دحر ابرهيم باشا عن لبنان، فاستفادت هذه المناطق من تغلغله الاقتصادي والثقافي بينما تضررت مناطق أخرى كان عليها ان تأخذ غرم التغلغل دون غنمه، فقاومته خصوصاً في جانبه التحديثي، علما ان الانتداب ارتكز على كبار الاقطاعيين الموالين في الأرياف للسيطرة عليها، فأدى الى احتكار هذه العائلات تمثيل الطائفة الشيعية في جميع مؤسسات الدولة السياسية والادارية، وباجتماع عنصري السلطة الاقتصادية والسياسية بيد الاقطاعيين، انجذب اليهم والتف حولهم اصحاب الحاجات من ابناء الطبقات الشعبية العامة وسواهم وشكلوا القاعدة البشرية والانتخابية للاقطاع عموماً ولاقطاع جبل عامل خصوصاً.
ورغم اعتراف الانتداب بالشيعة كملّة اسلامية، فإنه لم ينعكس ايجاباً على حركية رجال الدين التي تركزت عنايتها وبعض المثقفين حول التثقيف والتعليم وتأسيس الجميعات، مدفوعين ربما برغبة الاصلاح والنهوض بالمجتمع العاملي الريفي بينما كانت بيروت وجبل لبنان تتقدم نحو التحديث، وان بغلبة واضحة للطوائف المسيحية، وكانت طرابلس تتراجع أمام بيروت وقناصل أوروبييها، وان لم تفقد مدينيتها الضاربة في الزمن، رغم انها فقدت دورها كمرفأ وملجأ وحاضرة الشمال الساحلي والوسطي السوري بانضمامها إلى لبنان الكبير.
لقد ادى هذا الواقع الى انخراط الشيعة في قطاعي التجارة والخدمات فأدى ذلك الى بروز شرائح من الطبقة الوسطى، خصوصا مع الاصلاحات الشهابية وطبيعي ان تتضارب مصالح هذه الفئات مع مصالح الاقطاع السياسي من جهة والبورجوازية المهيمنة على القطاعات المالية والتجارية والخدماتية من جهة اخرى، وهما من ركائز النظام السياسي والاقتصادي. وقد كان طبيعياً ان "يتدفق" هؤلاء الى الحركات السياسية، اليسارية منها خصوصا، ولبنان كان خزان الاحزاب على اختلاف تلاوينها الإيديولوجية، وقد ادى ذلك ايضاً الى ان يمم كثيرون، بمن فيهم رجال دين شطر العلوم غير الدينية من أجل الترقي الاجتماعي والرفاه الاقتصادي.
حين وصلت الى كلية العلوم لالتحق بالرياضيات من جهة، بإشراف جيلبير عاقل وابرهيم الحاج الشيوعيين، وتحت بصر وغليون حسن مشرفية، وبرفاقي في المنظمة بأكثريتهم الشيعية من جهة أخرى، كان قد مضى حوالى عشر سنوات على وصول الامام موسى الصدر إلى صور بعد حوادث 1958 والخلافات بين زعماء الشيعة والتي لم تخرج من سقف الهوية الكيانية اللبنانية، وهو سيخطب لاحقا في الكلية ذات الرمزية العالية، وكان كمال جنبلاط يشكل عامل الامتصاص الرئيسي بين الشارع (ذي الغلبة الاسلامية) والسلطة (ذات الغلبة المسيحية)، وكانت بعثة "ارفد" غادرت بلد التناقضات السبعة والعجائب العشر، تاركة تقريراً يخلط بين الاقتصاد والاجتماع وعلم النفس الغرائبي، الا ان الأكيد بأن المسافة بين المركز والاطراف كانت تزداد اتساعاً وكانت هتافاتنا المفضلة: "والبيو بيبقى مفلس غير البيو بالمجلس" و"وتنحمل ما عاد فينا هيدي دولة جورجينا". وللدلالة على مقاومة المنظمة للامتصاص، كان هتافوها يصرخون امام المجلس "99 حرامي". ومع ذلك فقد شكل هذا الامتصاص سمة المرحلة اللاحقة التي عملت في اتجاه احداث تغييرات واصلاحات في النظام الطائفي لجهة تخفيف الفروقات بين المركز والاطراف واحداث توازن بين الطوائف، فضلاً عن تحسينات اجتماعية وتربوية وشبابية وصحية وعمالية، الا ان الغالب عليها كان المسائل الوطنية والطائفية وأزمات الحكم المتكررة وهذا ما هيأ لنشوء الحركة الوطنية بقيادة كمال جنبلاط.
أدرك الامام مبكراً وظيفة وحجم الدور الذي سيلعبه في الطائفة الشيعية وهو الدور الذي سيعوض عن اخفاقات وعنجهية الاقطاع السياسي من جهة ويوقف تدفق ابناء الطائفة الى الاحزاب والتنظيمات اليسارية من جهة أخرى، وهذا يتطلب استحضار العامل الديني بقوة، فكان انجازه الاهم هو المجلس الإسلامي الشيعي الذي احتضن النخب الشيعية السياسية والدينية وغيرها واصبح مرجعية اساسية يقودها الامام المنتخب موسى الصدر في 1969، علماً انه اسس جمعيات اجتماعية وثقافية وتربوية ودينية خيرية منذ مجيئه متشبها بالطوائف الأخرى وواضعا الشيعة في العربة الفعلية للنظام الطائفي. ومع ان خطاب الامام قال بعدم التمييز بين المسلمين وعمل على التواصل مع المسيحيين (عبر غريغوار حداد وميشال الاسمر وغيرهما)، الا أن حركته اطلقت المارد الشيعي من القمقم، اذ ان المفكرين والمناضلين والنقابيين البارزين من اهل الطائفة كانوا من دعاة النظام الديموقراطي العلماني، رغم تأييدهم اللاحق للبرامج والاصلاحات المرحلية، وسيدفع هؤلاء لاحقاً، أكثر من غيرهم، دماً وتهجيراً في سياق صعود هذا المارد.
بعد هزيمة الانظمة العربية في 1967، دخل العامل الفلسطيني بقوة في لبنان بعد ان نشأ العمل الفدائي المسلح وبما ان لبنان كان يحتضن جزءاً كبيراً من اللاجئين الفلسطينيين، فقد كان لهذا العامل تداعيات كبيرة جداً على البلد ذي التوازن الهش، خصوصاً بعد اتفاق القاهرة وتدفق الفدائيين بعد أيلول الأسود واستقطاب المقاومة الفلسطينية رافضي الهزيمة، من يساريين واسلاميين وعروبيين ومهمشين وغيرهم. فكانت ان استقوت الشخصيات الاسلامية، السنية خصوصاً، بهذا الوافد الجديد واعتبرته عامل قوة في مواجهة الاستئثار الماروني الذي بدأت احزابه بالتسلح غير مكتفية بـ"جيشها الشرعي". وفي موازاة ذلك ستنشأ حساسية فلسطينية - شيعية نتيجة الثمن الباهظ الذي سيدفعه الجنوبيون خصوصا، مما سيفسر لاحقا رش الأرز على جنود الإحتلال في بعض القرى الشيعية وكمية الملتحقين الشيعة بجيش لحد، علما أن آباءهم شاركوا في دعم ثورة 36 كما سيشارك أبناؤهم لاحقا وبقوة في مقاومة ودحر الإحتلال.
في هذا الجو العابق أخرج الامام الصدر حركة المحرومين من عباءته لتشكل اطاراً يحتضن بؤساء وفقراء وفلاحي الطائفة الأكثر قهرا، إذ لم يعد المجلس الإسلامي الشيعي قادرا على احتواء "المقهورين". طبعاً كان هناك محرومون من كل الطوائف وكان ملاذهم السياسي يتشكل من الاحزاب والحركات اليسارية والاقطاع السياسي وبعض المنظمات الفلسطينية لاحقا، الا ان حركة المحرومين الصدرية ستصبح حزباً شيعياً سياسياً مع تأسيس ميليشيا باسم افواج المقاومة اللبنانية ( أمل)، بينما سيعتمد السنة ضمنيا على الآلة الفلسطينية المسلحة وشريكتها الحركة الوطنية والمسيحيون على القوات اللبنانية و"جيش" ميشال عون لاحقا.
هكذا اصبح الامام زعيم الطائفة الشيعية رغم رغبته ربما بأن يكون زعيماً لبنانياً أو إسلاميا، ففي ظل النظام الطائفي اللبناني تشكل الطائفية بالمعنى السياسي للكلمة لغة واساس الصراع والوفاق السياسي. لان لبنان بلد تتشكل فيه القضايا في الاطار الطائفي، كما يشجع نمو الحركات والقوى الطائفية. ففي موازاة تشجيع الاقطاع السياسي لنشوء حركة الشباب العلوي في طرابلس في مواجهة نمو اليسار في بعل محسن، فشلت حركة "المفتي" منصور التي حاولت وضع الطائفة العلوية تحت العباءة الجعفرية الصدرية الصاعدة.
لقد حاول الامام الصدر ان يمسك العصا من وسطها في فترة الحرب الاهلية فلم ينجح، غامزا ربما من قناة الحساسيات المختلفة، وهذا ما وسع دائرة المعارضين لأدائه في الداخل والخارج، إلاّ أنّ التيار الاساسي الذي سوف ينمو بعد تغييبه سيكون حركة شعبوية طائفية تسعى اساساً الى تحسين وضع الشيعة في المعادلة السياسية والاقتصادية اللبنانية، وستشهد بالطبع حركة "أمل" صراعات متنوعة، منها صراع بين الديني والسياسي خصوصاً بعد انتصار الثورة الخمينية الاسلامية، التي وان عززت الشعور الشيعي عند الطائفة، الا انها اقلقت حركة امل وراعيها السوري. وسيشكل، اجتياح 82 وخروج المقاومة الفلسطينية وتراجع القوى اليسارية رغم اطلاقها حركة المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائيلي (وهو تراجع تغذى ايضاً من انهيار "العالم الاشتراكي"وصعود النيو ليبرالية)، الخلفية التي ستجعل المارد الشيعي، وقد أصبح إقليميا، يخرج من جوفه "حزب الله" والذي سيحمل وجهة نظر شيعية راديكالية تتبنى نظرية الولي الفقيه والولاية العامة، مصطدماً نظرياً في البداية، مع آراء الامام شمس الدين وبقية اصحاب الامام الصدر وحتى مع آية الله فضل الله، مما ادى الى الاشتباكات المروعة بين "امل" و"حزب الله" والتي لم تهدأ الا بقسمة عمل مدارة ومنجزة بين ايران وسوريا، يستأثر "حزب الله" فيها بالمواجهة المسلحة مع الاحتلال والغرب وغيره، وتنفرد "أمل" بإدارة الصراع الميليشيوي والسياسي مع بقية أطراف وطوائف النظام السياسي.
وفي الطريق الى ذلك جرى "تطفيش" واغتيال بعض القادة اليساريين، خصوصا من أبناء الطائفة، كما جرى سحق المخيمات الفلسطينية في بيروت بمساعدة سورية، وهي لم تكن تعافت بعد من مجزرة صبرا وشاتيلا، وستصبح دعوة السيد محسن ابرهيم ولجنته المركزية، في وقف الحرب الاهلية، وقد اصبحت عبثية، وان القتال الوحيد المشروع هو ضد الإحتلال، دعوة عبثية ايضا، وستستكمل هذه الحروب، المدارة إقليميا من كل الضفاف، بأشكال متفرقة حتى اتفاق الطائف الذي اسس لتوازنات طائفية جديدة، ادت عملياً الى نشوء ثلاثة رؤوس دستورية. ومع ذلك فقد شكل الإتفاق اعلاناً مدويا لدخول المارد الشيعي الى الحلبة الحقيقية للنظام الطائفي، بما سيعنيه من تدفق شيعي غير مسبوق إلى إدارات الدولة التي سيجف حليبها.
ومع ان "حزب الله"، لم يخف عند انطلاقته برعاية ايرانية، طروحاته العابرة للنظام اللبناني في اتجاه الدولة الاسلامية وبالعلاقة مع الجمهورية الاسلامية التي يدين لها بالكثير، الا ان التسوية وطبيعة الواقع السياسي والاجتماعي والثقافي اللبناني فرضا عليه نوعا من التأقلم وتدويراً للزوايا اللفظية والعملانية، حتى انه ورغم اعتراضه الضمني على الطائف، فقد دخل بقوة بنظامه، خصوصاً حين اصبح نظام وصاية فتقاسم النيابة مع "امل" ودخل المعركة البلدية وبدأ المحاشرة في كل الأمكنة مما سيكسبه نوعا من اللبننة الواقعية.
لقد شكل التحرير منعطفاً مهماً في تاريخ "حزب الله" والبلد، حيث كان من المفروض نظرياً على الاقل ان تتحول المقاومة، المطيفة اصلاً، الى العمل السياسي فيجري استيعاب قوتها في اطار القوى الشرعية للدولة. ولكن "حزب الله" والحلف الايراني السوري كان لهم وجهة نظر أخرى، تمثلت بإخراج قصة تلال كفرشوبا ومزارع شبعا ولاحقاً طبعاً فلسطين والامة الاسلامية كمقدمة لتأبيد المقاومة التي اصبحت حجر الرحى في الصراع الاقليمي والدولي، وبالتالي ادخال البلد في اوراق "الممانعة السورية"، والقوى الاقليمية الايرانية الصاعدة على أنغام القضية النووية. وقد زاد هذا الواقع من ظلامة الطرف المسيحي المتراجع أصلا في تركيبة النظام الأمني السوري اللبناني، كما اجج مشاعر الطائفة السنية التي فقدت باكرا نصيرها المسلح مع خروج منظمة التحرير، وبالتالي بات الجميع ينظر الى المقاومة الإسلامية كنظرة ميليشيا صافية تلعب دوراً في غلبة وزن الطائفة الشيعية في مؤسسات ومجالس ومسارب الدولة برعاية ايرانية سورية، خصوصاً مع ازدياد المضايقات لرفيق الحريري الذي رأت فيه الطائفة السنية منقذاً، فضلاًعن قدرته الاعمارية الهائلة بتواصله العربي (السعودي حصوصا) والدولي وقدرته على مد الجسور مع باقي المكونات اللبنانية.
لقد شهد البلد سنوات من الصراع بين مؤيدي السيادة وهم في غالبيتهم سنة ومسيحيون ودروز ومؤيدو الممانعة والتمديد وهم في غالبيتهم شيعة، فضلاً عن بقايا بعض الاحزاب والتجمعات والهيئات الهامشية. لذا شكل اغتيال الحريري صدمة للبنان عموماً وللسنة خصوصا ومن ثم للدروز والمسيحيين وربما السواد الاعظم من الشيعة، وكان ان انطلقت ثورة الارز وازداد الاصطفاف السياسي والمذهبي حدة حتى وصل حدود الانشطار، خصوصاً بعد حرب تموز ومحاولة "حزب الله" توظيف الإخفاقات الإسرائيلية وفائض القوة بتغيير طبيعة وواقع النظام اللبناني، باحتلال وسط بيروت واقفال البرلمان ومنع انتخاب الرئيس وصولا الى اجتياح 7 أيار وأخيراً محاولة الغاء المحكمة الدولية التي يأمل اللبنانيون ان تكون سبيلهم لوقف الارهاب المستند على الاغتيال والقتل، والذي يهدد بلدهم ونمط عيشهم كما يهدد بانفجارات مذهبية، خصوصا مع الشحن المذهبي والترويج بقدوم المهدي وغير ذلك من ردود فعل أصولية سنية من النوع نفسه، علما أن فائض القوة هذا سيصطدم بحدود الوزن الشيعي في المناصفة، مما يؤدي إما إلى طرح تغيير المناصفة وهذا مستحيل أو المحاشرة بين الحليفين اللدودين.
في برنامج تلفزيوني عن الراحل كامل الاسعد، أكد "الرفيق نصير" ان الخلاف السياسي مع الزعيم الوائلي يجب الا يحجب عداءه للكيان الصهيوني الذي نشأ على تخوم جبل عامل مهجراً شعب فلسطين، رغم ان هذا الزعيم أمن انتخاب بشير ومن ثم امين الجميل تحت الحراب الاسرائيلية، ربما في محاولة منه لتخفيف الخسائر ومنع انهيار الدولة بالكامل خصوصاً انه اقسم على الدستور. كما قال نصير ان الرئيس الاسعد تمتع بالصدقية وكان بعيداً عن الفساد المباشر، وان كان ركناً من اركان النظام المشجع على كل الآفات.
وقد حاول البيك الراحل مقاومة استئثار "حزب الله" و"حركة امل" الى ان قطع الامل من ذلك فانسحب بهدوء، إلا ان ابنه احمد استمر بالمحاولة، فكان نصيب اركان حركته الاعتداءات والتهديدات رغم انهم لم يشكلوا خطراً مباشراً مما يشي بالطبيعة الشمولية والقلقة لـ"حزب الله" كما كفر المعارضون الآخرون. اما "حركة امل" فلطالما ردد رئيسها في معرض دفاعه عن تمسكه بالمحاصصة المذهبية انه، ما لم يغير الآخرون سيبقى "كل ديك على مزبلته صياح". وحين نرى طبيعة وجشع ووقاحة بعض الفئات السياسية التي لطالما رددت نغمة الخط العربي (أي السوري)، وغيرهم ممن يرفعون اصابعهم كل يوم في وجه شركائهم في الوطن، حينها نتذكر قول وليد جنبلاط، عشية محاولة اغتيال مروان حمادة، في برنامج "كلام الناس": "افضل ان اكون زبالاً في نيويورك على أن أكون من اصحاب الخط إياه".
كان جنبلاط حينها يتكلم بالنيابة عن معظم اللبنانيين، خصوصاً ممن امتهنوا العداء للكيان الصهيوني وتربوا على افكار التغيير وعشقوا العروبة الطوعية الديموقراطية المنفتحة على الحداثة وحلموا بوطن يعيش فيه الانسان بكرامة كمواطن وليس كشخص ينتمي الى طائفة، معلنا عمليا حزنه على مآل الشيعية السياسية.
وأخيرا أقول إذا كانت كل الطوائف ظنت أنها تشاطرت بتعاملها مع الخارج والخوارج (من عمالة كما يفسرها جهاد الزين) للإستقواء على شركائها فخاب ظنها، فإنه حري بأن تأخذ قيادة "حزب الله" العبرة من تجارب الآخرين، خصوصا أنها المرة الأولى التي يكاد يعلن فيه طرف ما، يمتلك قوة هائلة خارج الدولة، ولاءه الإيديولوجي الأول لدولة خارجية، مما يجعل البلد المعذب أصلا بصراعاته الداخلية، ساحة عارية أمام كل الأعاصير. فهل تعني استدارة جنبلاط الحادة وعقد الموتمر الدرزي المجاز! أنه لاعبرة ولا من يعتبرون وأن آلام المخاض الكيانية مستمرة وأن على اللبنانيين أن يتحملوا لعنة الموقع؟
مساهمة الشيخ علي خازم
الشيعة بين "الولاية" والمواطنة
المحور من إعداد جاد يتيم
(استاذ في الجامعة اللبنانية)



