مركز النهار للأبحاث والتوثيق بحث متقدم الأثنين الثلاثاء الأربعاء الخميس الجمعة السبت الأحد
 
 
         
الأربعاء 03 شباط 2010 - السنة 77 - العدد 23949
 
PDF
 
 
PDF
 
 
PDF
 
 
PDF
 
   
PDF
 
     
   
PDF
 
   
 
   
 
 
PDF
 
 
 
 
 
   
   
 
   
 
   
 
 
 
   
PDF
 
   
   
 
PDF
 
 
 
   
 
       
   
 
   
   
 
     
   
   
 
   
 
   
       
       
   
 
   
 
   
       

"النهار" مؤسسها 1933:
جبران تويني
.......................................

الناشر 1948-1999 :
غسان تويني

.......................................
رئيس مجلس الادارة:
جبران تويني 2000-2005
غسان تويني 2006
.......................................
المديرة العامة المساعدة:
نايلة تويني
.......................................
رئيس التحرير:
فرنسوا عقل
.......................................
مدير التحرير:
غسان حجار
Mobile مختاراتي Widget RSS Podcast Slide Show


ارسال طباعة تصغير الخط تكبير الخط


غياب
جيروم ديفيد سالينجر منضمّاً الى بطله

الحارس الذي اختفى في حقل الشوفان

موت ج. د. سالينجر ليس سوى موت تقني. بمعنى انه موت جسدي، مادي، شكلي، هو الفاصلة الأخيرة التي أضاءت حياة هذا الكاتب الاميركي المعزول. روايته الصادرة عام 1951، اعتبرت فاتحة مرحلة جديدة في أدب ما بعد الحرب العالمية الثانية. وتنبأ النقاد بأن "الحارس في حقل الشوفان" (The Catcher in the Rye)، هي الصفحة الاولى من أدب الرفض والاحتجاج، وكسر سوبرمانية أميركا، عبر بطلها الفتى ذي الستة عشر عاما، الذي يمشي في صيرورة أدبية وحياتية، غير خارقة، تصنع مفارقاتها بسبب منطق بطلها المضاد لما تعلنه الحياة. لكن الاحتجاج ليس كادر الرواية الوحيد. الفتى التلميذ هولدن كولفيلد، مطرود حديثا من المدرسة، بارع فقط في اللغة الانكليزية، في جيبه الكثير من النقود، يكره الكنيسة وتأنيب الأب وعويل الأم، يقرر ألا يعود إلى مقاعد الدراسة مجددا، مفضلاً أن يشتغل عاملا في محطة وقود او في أي مهنة متواضعة. يختار فتاة تعجبه، لكنه ليس مهووسا بها. يشاطرها افكاره ويعرض عليها الزواج، قبل أن يتسلل كي يلقي التحية الأخيرة على أخته الصغيرة ليلا، ذلك أنه ذاهب في رحلة لا عودة منها. يكتفي بنضجه، رافضا شواهد حياتية عديدة، تبدأ بالمدرسة، وأساتذتها، مروراً حتى بأولئك المقربين منه، ومن ثم راهبات الكنيسة، والأهل والأصدقاء، ورفاق الصف، ونادلي الامكنة، والقوانين التي تعوقه من احتساء الكحول. إنه بطل يشعر بالغيظ، ولا يشعر بالغيرة. العالم لا ينافسه في شيء، لأنه على جانب آخر منه. إنه عالم يحتوي على ظواهر غريبة وكائنات ذات عادات تحفز فيه الرغبة في الاشمئزاز. "الحارس ، كتاب يفيض بالشتائم، التي يطلقها "اللا بطل" (إذا صح القول)، وقد تُتعب القارئ في بعض الأحيان، إلا أنها تشكل متمما لاكتمال شخصيته.
ولد جيروم ديفيد سالينجر، عام 1919، وبعد نشر روايته الوحيدة، اكتفى بإنجاز اعمال قصصية. آخر عمل أدبي له نشر عام 1963، قبل أن يختار الإنطواء في منزل صغير على تخوم غابة. هو الكاتب الذي لم يحب يوما الشهرة، ولم يلهث وراء الاضواء. ليبدو كأنه انسحب من المشهد الادبي والثقافي، مخالفا توقعات النقاد. إلا أن هذه الرواية بقيت إلى جانب "عوليس" للكاتب جيمس جويس، مؤثرا في تشكل الوعي الكتابي والأسلوبي في ما بعد. اختيار فتى مراهق، كشخصية العمل الاساسية، كان شيئا صادما بالنسبة الى المحافظين، إلا أنه أرخى بظلاله على شريحة واسعة من تلاميذ المدارس، الذين تأثروا بشخصية هولدن كولفيلد، وخصوصا أن الرواية حققت نسبة مبيع عالية. يعيد كولفيلد النظر في القيم والأخلاقيات، ولا يلتزم مفاهيم النضج البيولوجي. مارك تشابمان، الذي قتل عضو فرقة البيتلز جون لينون، حينما سئل عن سبب فعلته، قال: "يمكنكم أن تجدوا الإجابة في رواية سالينجر". على كل حال، فأن يتوحد كاتب في حيزه لما يزيد على الخمسين عاماً، فذلك مثير للتساؤل حول تلك الامانة التي يوليها بعض الفنانين والأدباء لأفكارهم. مثال على هذا: صموئيل بيكيت والصمت الذي كان يتحلى به في حياته الاجتماعية، التزاما لمنهجه الفكري، المسرحي الاحتجاجي، ما بعد الحرب. سالينجر، أعطى أوامره الى وكيل أعماله، بحرق أي رسالة قد تأتي من معجب. حياته بعيدا من الضوضاء، فسرها بأنه "ابتعاد عن أي حوار تافه مع أي كان". في عام 1974، أجرت معه صحيفة "تايمس" واحدا من الحوارات النادرة. أعلن أن لديه كتابات أخرى، إلا أنه يعتبر مسألة النشر انتهاكا لخصوصيته، فهو يحب أن يكتب، وأن يكتب كثيرا، غير انه يكتب فقط لمتعته الذاتية، وليس للآخرين. هذه الذاتية، عارك كثيرا للحفاظ عليها، فلم يسمح لأحد بالمساس بسيرته الشخصية، ولا بكتابة دراسات عنه، فلجأ على سبيل المثال، إلى المحكمة العليا لمقاضاة الناقد البريطاني أيان هاميلتون، كما رفع دعوى على الروائي الأسوجي فريدريك كولتينغ، بتهمة الاعتداء على الملكية الفكرية لروايته الوحيدة. على كل حال، فإن احدا لا يستطيع الجزم، ما إذا كان سالينجر قد واصل الكتابة أم لا. واقع أنه كان على قيد الحياة، منع المهتمين بأدبه من أن يجتازوا "خطوطه الحمر". مزاجه وحدته وانحيازه المتطرف لأناه، لعبت كلها دورا في إضفاء الرهبة على شخصيته، كما أنه لم يترك الكثير من المحفزات، لدارسيه. إذ أنه شخصن روايته، وفيما لفظ العالم من دماغه، كان يجهد في إبقاء عالمه الخاص نظيفا ومحرّما على الآخرين.
لكن إذا كان سالينجر قد ترك وراءه بعض الأعمال الأدبية غير المنشورة، فهل يكون موته فرصة أمام الباحثين، لكي ينفضوا أوراقه (هذا إذا لم يكن قد قام بحرقها او تلفها على سبيل الاحتمال والمثال) ويقدّموا ألعابا جديدة كان قد تركها، أم نكون امام سلة فارغة بإمضائه، ساخرا بذلك من الحياة والقراء والعظمة والتكريم والجوائز والدراسات؟ هل نشكر موته، مثلا، أم نلعن الكاتب؟ وهل يحق لسالينجر أن يترك عزلته تلعب دور الممحاة، التي أقصته عن الزمن والصحافة ليكملها الموت؟ غياب سالينجر، هو غياب متأخر، وباهت، تحصيل حاصل عن الغياب المفبرك بإتقان الذي جاوره، سواء عن حكمة أو استخفاف أو سخط. الغياب الذي جعل منه إنسانا وضع كل السعي الانساني والتطورات التكنولوجية والفكرية والفلسفية، في حفرة، كانت تعيد طمر نفسها مرارا بشكل أوتوماتيكي. نأمل ألا يكون موته متمما لصيرورة الغياب التي اختارها، وإن انتهكنا باسم الأدب، وصيته.

 

مازن معروف     


ارسال طباعة تصغير الخط تكبير الخط

   

  تبهرنا صورُه من دون أن تتعمّد الإبهار
  بارعٌ في كشف الأسرار من خلف الأستار
  ديفيد وانزبرو الكثرة المتكاثرة

جميع الحقوق محفوظة - © جريدة النهار 2010
welcome to annahar pdf welcome to annahar audio