غياب
جيروم ديفيد سالينجر منضمّاً الى بطله
الحارس الذي اختفى في حقل الشوفان
|
|
|
ولد جيروم ديفيد سالينجر، عام 1919، وبعد نشر روايته الوحيدة، اكتفى بإنجاز اعمال قصصية. آخر عمل أدبي له نشر عام 1963، قبل أن يختار الإنطواء في منزل صغير على تخوم غابة. هو الكاتب الذي لم يحب يوما الشهرة، ولم يلهث وراء الاضواء. ليبدو كأنه انسحب من المشهد الادبي والثقافي، مخالفا توقعات النقاد. إلا أن هذه الرواية بقيت إلى جانب "عوليس" للكاتب جيمس جويس، مؤثرا في تشكل الوعي الكتابي والأسلوبي في ما بعد. اختيار فتى مراهق، كشخصية العمل الاساسية، كان شيئا صادما بالنسبة الى المحافظين، إلا أنه أرخى بظلاله على شريحة واسعة من تلاميذ المدارس، الذين تأثروا بشخصية هولدن كولفيلد، وخصوصا أن الرواية حققت نسبة مبيع عالية. يعيد كولفيلد النظر في القيم والأخلاقيات، ولا يلتزم مفاهيم النضج البيولوجي. مارك تشابمان، الذي قتل عضو فرقة البيتلز جون لينون، حينما سئل عن سبب فعلته، قال: "يمكنكم أن تجدوا الإجابة في رواية سالينجر". على كل حال، فأن يتوحد كاتب في حيزه لما يزيد على الخمسين عاماً، فذلك مثير للتساؤل حول تلك الامانة التي يوليها بعض الفنانين والأدباء لأفكارهم. مثال على هذا: صموئيل بيكيت والصمت الذي كان يتحلى به في حياته الاجتماعية، التزاما لمنهجه الفكري، المسرحي الاحتجاجي، ما بعد الحرب. سالينجر، أعطى أوامره الى وكيل أعماله، بحرق أي رسالة قد تأتي من معجب. حياته بعيدا من الضوضاء، فسرها بأنه "ابتعاد عن أي حوار تافه مع أي كان". في عام 1974، أجرت معه صحيفة "تايمس" واحدا من الحوارات النادرة. أعلن أن لديه كتابات أخرى، إلا أنه يعتبر مسألة النشر انتهاكا لخصوصيته، فهو يحب أن يكتب، وأن يكتب كثيرا، غير انه يكتب فقط لمتعته الذاتية، وليس للآخرين. هذه الذاتية، عارك كثيرا للحفاظ عليها، فلم يسمح لأحد بالمساس بسيرته الشخصية، ولا بكتابة دراسات عنه، فلجأ على سبيل المثال، إلى المحكمة العليا لمقاضاة الناقد البريطاني أيان هاميلتون، كما رفع دعوى على الروائي الأسوجي فريدريك كولتينغ، بتهمة الاعتداء على الملكية الفكرية لروايته الوحيدة. على كل حال، فإن احدا لا يستطيع الجزم، ما إذا كان سالينجر قد واصل الكتابة أم لا. واقع أنه كان على قيد الحياة، منع المهتمين بأدبه من أن يجتازوا "خطوطه الحمر". مزاجه وحدته وانحيازه المتطرف لأناه، لعبت كلها دورا في إضفاء الرهبة على شخصيته، كما أنه لم يترك الكثير من المحفزات، لدارسيه. إذ أنه شخصن روايته، وفيما لفظ العالم من دماغه، كان يجهد في إبقاء عالمه الخاص نظيفا ومحرّما على الآخرين.
لكن إذا كان سالينجر قد ترك وراءه بعض الأعمال الأدبية غير المنشورة، فهل يكون موته فرصة أمام الباحثين، لكي ينفضوا أوراقه (هذا إذا لم يكن قد قام بحرقها او تلفها على سبيل الاحتمال والمثال) ويقدّموا ألعابا جديدة كان قد تركها، أم نكون امام سلة فارغة بإمضائه، ساخرا بذلك من الحياة والقراء والعظمة والتكريم والجوائز والدراسات؟ هل نشكر موته، مثلا، أم نلعن الكاتب؟ وهل يحق لسالينجر أن يترك عزلته تلعب دور الممحاة، التي أقصته عن الزمن والصحافة ليكملها الموت؟ غياب سالينجر، هو غياب متأخر، وباهت، تحصيل حاصل عن الغياب المفبرك بإتقان الذي جاوره، سواء عن حكمة أو استخفاف أو سخط. الغياب الذي جعل منه إنسانا وضع كل السعي الانساني والتطورات التكنولوجية والفكرية والفلسفية، في حفرة، كانت تعيد طمر نفسها مرارا بشكل أوتوماتيكي. نأمل ألا يكون موته متمما لصيرورة الغياب التي اختارها، وإن انتهكنا باسم الأدب، وصيته.
مازن معروف



