قصة
أمين الباشا
الفأس والألفباء
ابو الوالد، رأيته يستلّ فأساً كانت تزيّن حائط الغرفة في منزله. نظر اليَّ نظرةً لم أشعر معها إلاّ أن رجليّ قد صارا جناحين. يا لطيف! فقد طرت خوفاً. فأنا لا أحب الفأس اذا كانت مسلّطة عليَّ. كما أني لا أحبّها وإن بقيت معلقة على الحائط. ركضتُ، بل طرت، وراح هو يركض ورائي مولولاً، شاهراً فأسه وكأنه يريد قتلي، على ما اعتقد. والسبب أني بدأت بتعليم إبنه الاحرف العربية كما يأتي:
أ= انا. ب= باب. ت= تحت. ث= ثوب. ج= جميل. ح= حيث. خ= خان. د= داخله. ذ= ذوب. ر= رقيق. ز– زائر. س= سائح. ش= شارد. ص= صامت. ض= ضائع. ط= طالباً. ظ= ظهور. ع= عين. غ= غريبة. ف= في. ق= قلب. ك= كل. ل= لمعة. م= من. ن= نهد. هـ= هو. و= وراء. لا= لاهث. ي= يموت.
هذا كان الدرس الاول، وأنا رأيت أنه درس جيد، لفتى فتيٍّ. وأكملتُ الدرس بوصل الكلمات التي طلعت من الأحرف، وسرّ الفتى بالجمل وراح يرددها مسروراً، وأنا انظر إليه مسروراً أيضاً. دخل عندئذ الأب وقرأ الجمل التي حوّلته حيواناً هائجاً، كما قلت. وقبل أن اكمل ما جرى لي، أريد أن أجمع، يا سادة، الكلمات التي تمثل كل الأحرف وهي كما يأتي:
أنا باب تحت ثوب جميل حيث خان داخله ذوب رقيق زائر سائح شارد صامت ضائع طالباً ظهور عين غريبة في قلب كل لمعة من نهدٍ هو وراء لاهث يموت.
هذه هي الجملة المفيدة التي استخلصتها من الألفباء، فأين الضرر فيها؟ وهل هذا يجعل الأب يلحق بي حاملا فأسه ليقتلني وأنا لا أزال راكضاً هارباً وهو لا يزال راكضاً ورائي؟ أنا لا أرى سبباً وجيهاً لقتلي، حتى أني لا أرى أي سبب يجعلني صالحاً للقتل. أنا لا أقتل ولا أريد أن أُقتل. هذا بديهي.
ما زلت أركض هارباً حتى وصلتُ الى الحدود اللبنانية الفلسطينية، في جنوب لبنان، الى منطقة يسمّونها بوابة فاطمة، اما من هي فاطمة وأين الباب، فهذا سؤال مهم. المهم أني وصلتُ الى الحدود ورأيتُ وراء الأسلاك الشائكة جنود العدو. قلت في نفسي هم... ولم أكمل الجملة. بل قلت: هؤلاء قتلة، عندهم سبب لقتلي ، أو عندي سبب لقتلهم. ولكن ليس عندي سهم ولا فأس ولا خرطوشة، وقد تعبتُ وأنا أركض من حي رأس النبع الى هنا. هنا حدود فلسطين المحتلة. نسيت أبا الفتى الذي لقنتُ إبنه الألفباء لكنه لم ينسني هو. اقترب مني مع فأسه، وقد نال منه التعب كما نال مني، فنظر اليّ نظرة لم أفهم معناها حتى أني لم أكترث له ولا لنظرته المبهمة، وكان وجهي عندئذ يحمل تعابير الغضب. هو رأى هذا، على ما أعتقد. عندئذ سألتُه: ما قولك؟ أجاب. في ماذا؟ قلت: في الهجوم. قال: مستعد ولكن. قلت: ألستَ جائعاً؟ قال: أنا جائع. قلت: أنا أيضاً جائع.
جلسنا بعيداً عن الاسلاك الشائكة تحت شجرة ليمون، ورحنا نقطف ليمونة بعد ليمونة ونأكل. ثم سأل: ماذا نفعل الآن؟ نهاجم، أنا وأنت، بالفأس. قلت: نذهب الى البلدان الشقيقة لتمدّنا بالسلاح والرجال والنساء ثم نعود لنهاجم. قال: جيد.
سرنا الى أن وصلنا الى أقرب بلد شقيق، ثم الى بلد شقيق آخر، ثم الى ثالث، حتى انهينا زياراتنا لكل البلدان الشقيقة، وأتينا بسلاح ورجال ونساء كثيرين. البلاد العربية فيها مليار عربي. يا ولد!
تقدمنا من الاسلاك الشائكة. عندما رأى جنود العدو أننا مدججون بالسلاح وأن عددنا بالملايين، راحوا يركضون هاربين وكان بعضهم يقول صارخاً: شالوم! شالوم! وكان بعضنا يجيب: يلعن أبوك، عكروت يا إبن الشــ... الشالوم!
... ودخلنا الى فلسطين المحتلة. سرنا بهدوء وبنظام، نحن الملايين، حاملين الأعلام والبيارق والشعارات ولافتة كبيرة تطلب من المحاربين الفلسطينيين أن يبحث كل واحد منهم عن حيّه أو مدينته أو قريته، ليبقى فيها، مودعاً ماضيه كلاجئ. وهكذا كان. لكن حادثاً وقع ونحن في هذا الجو، جو الإنتصار وعودة الأهالي الأصليين الى وطنهم الأم. ومنهم الأب أيضاً. الحادث هو أن طلقات رشاشة أُطلقت من مكان ما في اتجاهنا. في اتجاهي أنا شخصياً. نظرت الملايين الى المكان الذي خرج منه اطلاق النار. ثم أشاروا الى بناء يرفرف عليه علم العدو. نظرتُ بالمنظار فرأيتُه. هو ذاته الجنرال الذي دخل بيروت عام 1982 وبحث عني في بيوت رأس النبع الى ان وقع نظره عليَّ، لكني كنت أسرع منه، فأصبته في عينه وصار بعين واحدة. تسللتُ الى المبنى حيث كان. دخلتُ على رؤوس أصابع رجليّ. لمحته يفرّ من مكانه ويصعد الى السطوح، فتبعته راكضاً، مسرعاً أكثر منه، حتى أمسكتُ به وبصقتُ في وجهه قائلا له: المرة الأولى التقيتُ بك عام 1982 في شارع الحمراء في بيروت. أجاب: لا. في كورنيش المزرعة. قلت: طيّب، قل لي كم لبنانياً قتلت وكم فلسطينياً؟ فلم يجب. قرّبتُ مسدسي من عينه السليمة، فقال عندئذ: لا أعلم. لا أستطيع تعدادهم! قلت له: در. در بسرعة. فأعطاني ظهره، فجرّدته من بعض ثيابه ورفسته بقدمي على مؤخرته فراح يركض هارباً. لوّحتُ للملايين من على السطح وعلا هتافهم.
تابعنا توغلنا في فلسطين المحررة، حتى وصلنا الى القدس، وكانت اجراس الكنائس تهلل لنا، ومن المآذن أصوات تكبّر وتستقبل الأبطال. في الأثناء، كان أبو الفتى بقربي. قبّلني وفأسه بيده قائلا: لولا ألفبائك لما تحررت فلسطين. فأجبته ضاحكاً: بل ألفبائي وفأسك.



