مستقبل بريطانيا مجهول....وداعاً أوروبا!

15 كانون الثاني 2017 الساعة 18:40

مستقبل بريطانيا مجهول....وداعاً أوروبا!

أقل من شهرين وتطلق رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي اجراءات خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الاوروبي، وتحديداً مطلع آذار 2017 عبر ما يُعرف بعملية تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة التي تحدد طريقة خروج أي بلد عضو من الاتحاد الاوروبي، على ان تستمر هذه العملية لمدة عامين يتم خلالها التفاوض مع بروكسيل حول العديد من النقاط والملفات على رأسها العلاقة التي ستربط لندن بالاتحاد الاوروبي على الصعيد المالي والتحاري، بالاضافة الى ملف تنقل الافراد وضرائب الشركات وغيرها من الملفات.

في هذا السياق، أكدت ماي مراراً انها تعمل من اجل انفصال منضبط لكنه سيكون شاقاً، على أن تشرح تفاصيل هذا الانسحاب في كلمة تلقيها أمام مجلس العموم البريطاني صباح الثلثاء المقبل. وتعرضت ماي لإنتقادات واسعة عدة، وضغوط مستمرة للكشف عن تفاصيل استراتيجيتها حول المفاوضات التي ستحدد مستقبل العلاقات بين لندن وبروكسيل (عاصمة الاتحاد الاوروبي). وستوجه الانظار ايضاً الى المحكمة العليا البريطانية التي ستصدر قرارها بشأن مشاورة البرلمان او عدم مشاورته مسبقاً في ما يتعلق بعملية تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة، على ان يصدر هذا القرار نهائياً في نهاية الشهر الجاري. وبحسب المراقبين، يُنتظر من رئيس الوزراء البريطاني ان يضع أسس عملية الخروج من الاتحاد الذي سيكون شاقاً الى حد كبير، على أن تتلخص هذه العملية بانسحاب من السوق الاوروبية المشتركة وايضا من الاتحاد الجمركي الاوروبي ومن محكمة العدل الاوروبية وكل ذلك بهدف تحقيق ما وُعد به كل من صوّت لصالح الخروج من الاتحاد وهو استعادة السيطرة على مسألة الهجرة، ووقف تدفق أعداد هائلة من المهاجرين الى الاراضي البريطانية. وادى الاستفتاء الذي أجرته بريطانيا في حزيران 2016 حول البقاء في الاتحاد الاوروبي من عدمه الى انقسام حاد في المملكة المتحدة، بعد ان صوت نحو 52% من البريطانيين لصالح المغادرة. وللتخفيف من المخاوف حيال هذا الخروج الشاق من الاتحاد، يتوقع ان تؤكد ماي في خطابها أهمية بناء اهداف مشتركة في بريطانيا مثل العمل على حماية حقوق العاملين وتحسينها، والتركيز على رؤية ايجابية لبريطانيا خارج الاتحاد، وهي مهمات صعبة جداً. وفي سياق متصل، تشير بعض المعلومات الى ان ماي ستضع كلّ ثقلها لمعالجة مسألة الهجرة الاوروبية، وهي القضية الاساس التي أدت الى الدعوة لإجراء الاستفتاء حول مستقبل بريطانيا في الاتحاد، إضافة ايضاً الى ملف أساسي ومحوري آخر وهو قضية الولوج الى السوق الاوروبية المشتركة. في وقت أكد عدد كبير من القادة الاوروبيين ان العلاقات التجارية وتنقل الافراد وبين بريطانيا والاتحاد لن يكون بالشكل السهل الذي عرضته حكومة ماي، وهنالك سلسلة إجراءات ستتخذ حيال تفعيل عملية خروج لندن من الاتحاد. بدوره،  كرر ديفيد ديفيس وهو الوزير البريطاني المكلف إتمام عملية المغادرة اي #بريكست، اقتراح توقيع اتفاق انتقالي بين بروكسيل ولندن خلال المفاوضات، يسهل العملية ويساهم في إتمامها، في الوقت الذي يسعى فيه منذ حزيران الماضي، أي تاريخ إختيار البريطانيين مغادرة الاتحاد الاوروبي، إقناع القادة والمسؤولين الاوروبيين بأن لندن لا تريد أي فشل للإتحاد الاوروبي، لا حالياً ولا مستقبلاً.
مسؤولية كبيرة أخرى تقع على عاتق وزير المال البريطاني فيليب هاموند الساعي الى إيجاد كل السبل للمحافظة على القطاع المصرفي والمالي البريطاني وحث المصارف والشركات الكبرى على عدم مغادرة بلاده بعد إتمام بريكست. ويطالب هاموند بضرورة التوصل الى اتفاق بين بريطانيا والاتحاد الاوروبي يسمح بالدخول المتبادل الى سوق الطرفين دون مساومة لندن في ما يتعلق بملف الهجرة. وأكد ايضا ان مواطني دول الاتحاد ستكون لهم الحرية في زيارة بريطانيا والقيام بتعاملات تجارية فيها، ولكن النقاش يتعلق بالحق في العمل والاستقرار واقامة الشركات في ما لم تستبعد لندن ايضاً الدخول في نقاشات حول خفض الضرائب على الشركات بشكل كبير لضمان تنافسية الشركات الموجودة فيها في مواجهة الضرائب والرسوم والتعرفات داخل الاتحاد الاوروبي. بإختصار يقولها هاموند: "نريد الدخول السوق السوق الاوروبية لكن من دون سياسة وشروط بروكسيل، ولبريطانيا سياستها وشروطها".
بالفعل، أمام بريطانيا تحد كبير في المحافظة على الشركات الكبرى وعدم دفعها لمغادرة السوق البريطانية لأسباب ضريبية وتنافسية، ولأسباب ايضاً تتعلق بحرية التنقل والنشاط عبر الحدود. وفي هذا السياق، تشير دراسة أصدرتها "أوليفر وايمان" للاستشارات المالية، بأن خروج بريطانيا من الاتحاد قد يكلف البنوك والشركات التابعة لها في المملكة المتحدة خسائر في الإيرادات قد تتخطى الـ 48 مليار دولار في حال حصل ما يُعرف بالانفصال الصعب عن الاتحاد، والذي يؤدي الى تقييد حرية دخول شركات القطاع إلى السوق الموحدة الأوروبية. ومن هنا، ومنذ اشهر، تحاول الشركات المالية الوصول إلى وضع خاص في المحادثات بين لندن وبروكسيل لبدء عملية الانسحاب، بعدما أشارت حكومة المملكة المتحدة إلى أن البنوك لن تحظى بأي تفضيل. وأيضاً من مفاعيل الانسحاب الصعب على بريطانيا من الاتحاد، فتشير الدراسات الى إمكان خسارة لندن ما يقارب 75 الف وظيفة في قطاع الخدمات في حال فقدت بريطانيا والشركات الموجودة فيها القدرة على الوصول الى السوق الاوروبية الموحدة، ناهيك بإمكان خسارة أكثر من 13 مليار دولار من الضرائب التي تجنيها الخزانة البريطانيا من القطاع المالي والمصرفي، الذي سيشهد على مغادرة عدد كبير من شركاته ومصارفه. وبحسب بعض التقارير، يحقق قطاع الخدمات المالية في بريطانيا ما يقارب الـ 240 مليار دولار ويوظف نحو 1.1 مليون شخص. فيما يصل حجم ما يسدده من ضرائب ورسوم للخزينة البريطانية الى نحو 80 مليار دولار. وهذا الخروج من الاتحاد، قد يؤدي الى فقدان المصارف العالمية العاملة في بريطانيا قدرتها على دخول السوق الاوروبية الموحدة، مما قد يؤدي إلى خسائر في الإيرادات قد تصل الى 46 مليار دولار مهدداً ايضاً مستقبل أكثر من 70 الف فرصة عمل يؤمنها القطاع المالي.

Maurice.matta@annahar.com.lb
Twitter: @mauricematta

 

يلفت موقع النهار الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.



  1. 1
  2. 2
  3. 3
  4. 4
  5. 5
المزيد من الأخبار

جديد الأخبار

المزيد من الأخبار