رأي

المزيد من عناوين رأي

جديد الأخبار

المزيد من الأخبار
  1. 1
  2. 2
  3. 3
  4. 4
  5. 5
المزيد من الأخبار
رأي

عربي على كرسي الاعتراف


إقرأ هذا الخبر على موقع النّهار: www.annahar.com/article/554303
المصدر: "النهار"

ليس هذا المقال مقالًا. فلنقل إنه بالضبط محاولة لوضع تصميم مسرحية أو حلقات عمل تلفزيوني يُمكن أن يشبه "نساء عاشقات" أو لا، وتجرّ أحداثه بعضها بعضًا، والمونولوغات تضع التوق إلى الحرية في مواجهة العالم.

مشهد أول:
يجلس مواطن عربي على كرسي اعتراف، على أريكة تحرر فرويدية... أو يناجي نفسه في غرفة فارغة. لا يهمّ.
يتأمّل في ما يحدث حوله. يقول هذا جنون البشر. صور تحبس الأنفاس تتوالى في ذهنه. خيبات وكوابيس وأحلام محطّمة ودموع. يتساءل هل تستحقّ الحرية كلّ هذا النواح وملابس النسوة السوداء؟ والأوطان، هل تستحق كلّ هذا الدم؟ صرخاتٌ أُسكتت وحناجر مُزّقت وأكفان تطارد شعوبًا. مشاكل هذا العالم ثقيلة ثقيلة والأرض لم تعد جميلة، فقدت براءتها الأولى.
(لا لا. بلا دراما).

مشهد ثانٍ:
يجلس مواطن عربي على كرسي اعتراف. يستفيد من هذه اللحظات لأن لا أحد يسمعه. اعتاد فكرة أنّ لا أحد يسمعه. صار التجاهل عدوّ أفكاره وصديقها. ترتجف يداه قلقًا. كلّ مواطن عربي يحبّ وطنه قدره القلق.
لا يهم هذا التفصيل.
يجلس مواطن عربي على كرسي اعتراف وإلى جانبه مواطن عربي آخر.
سوف يتعاركان ويتشاتمان ويتقاذفان التهم. ما نفع أن ينتهي المشهد بقميصين ممزّقين ودماء متدفقّة ورأسين مقطوعين. الحوار بين شخصين مختلفين بات صعبًا، قد يفضّلان عدم التطرّق إلى مواضيع حساسة ومقدّسة، فأي انتقاد أو رأي مختلف قد يعتبره الآخر تطاولًا على مجمل اقتناعاته وانتماءاته وزعمائه وقديسيه.
لكم هو صعبٌ أن يكون المرء في هذه البلاد مستقلًّا، حتى فكريًا. قدرنا أن نكون محسوبين، أتباعًا. كيف يمكن لشخص أن يكون مستقلًا وهو كلّما حلّ عقدةً علق بمئة؟ كيف يمكن وهو غير قادرٍ على سلخ نفسه عن هويّته وحاجته وجوعه وعطشه وحرمانه؟ ببساطة أكثر، كيف يكون مستقلًا وهو محكوم بكلّ أنواع الضوابط، ماليّة أو فكريةً أو دينيةً أو اجتماعية أو ذاتيةً أو حكومية؟

مشهد ثالث:
يجلس مواطنان عربيان على كرسيي اعتراف. هل نركّز كاميرا أمامهما؟
أخشى أن يصطنعا صداقة ويفتعلا ابتسامات ويدّعيا محبة فلا يعبرّا عمّا يدور في عقليهما بعفوية. سوف يتحضّران بلحظة ليبدوا في الصور بأبهى الصور غير ما هما عليه. يصير كرسي الاعتراف صبحيةً طويلة. فنجان قهوة.
بلا الكاميرا.

مشهد رابع:
يجلس مواطن عربي على كرسي اعتراف. يبحث عن أمل يتنشقّه ويملأ رئتيه هواءً نظيفًا. يعترف أن أمله ضعيف، وكلّ شيء حوله يقول باستحالة الحرية. يشعر أنه فقد كل ما كان يذكّره بحق الإنسان والشعوب والأوطان في الحياة والكرامة والحرية. بلاده نعجةً بيضاء تتدحرج على وحل وتتهاوى. بلاد مرمية في أيدي متسلّطين ومتسوّطين (من سوط) يحاصرونها بآلات تعذيب.
( لا داعي لهذا الكمّ من السلبية. من جديد).

مشهد خامس:
يجلس مواطن عربي على كرسي اعتراف ويفرح لأنه يشعر أن مشاكله اندلقت على العالم بأسره. لم يعد وحيدًا مهمّشًا على الكوكب، هو وآلامه الشخصية الغامضة. يبتسم حين يتذكّر وجوهًا لطالما استمدّ منها الأمل. وجوه أناسٍ عاديين، حقيقيين، محبّين، صادقين، واثقين، عارفين، حالمين، متمرّدين، فنانين، مستقلّين، جميلين. من قال إن الطريق سهلٌ؟ هؤلاء وحدهم قادرون على إقامة شعوب من قبورها الجماعية وإعادتها إلى الحياة. وحدهم قادرون على تحويل أرض الشوك والجماجم حقول ورد وفراشات.
(لا يكفي. أحتاج إلى صرخة مدويّة).

مشهد سادس:
يجلس مواطن عربي على كرسي اعتراف ويصرخ: أكرهكم. خبثكم وعاركم، تناقضاتكم لم أعد أتحملها. أكره فساد مدّعي النزاهة، إنسانية الظالم، وحرّية المرتشي. المتديّن القاتل لا أطيقه، والتفاهة المعروضة في قالب عميق، والشعراء الذين يكتبون خطابات سياسية. كما لا أتحمّل عاهرة تدّعي الشرف، مثليّاً يتزوّج من جنس آخر. محبّتكم للناس بعد موتهم، وتكريماتكم المدفوعة. وأيضًا الملياردير الذي يصرف موظفيه، ومن يحبّ الجميع ولا يحبّ أحدًا. الإنساني على صفحات المواقع الزرقاء، الأناني الجشع على حقيقته. والذي يدّعي النبل ويضرب زوجته...كلّهم سواسية.
(لا. ثمّة كره كثير في هذا المشهد، وحلم المواطن العربي تلزمه محبّة، حكمة وشجاعة. العالم مفتوح أمام من يعرف ما يريد، ومن يجرؤ على قول ما يريد، ومن يحقّق ما يريد بفرح وسلام القلب).

مشهد سابع:
يجلس مواطن عربي على كرسي اعتراف. ما أصعب الرضا عن الذات والآخرين والعالم في هذه الزاوية من العالم! كلّا ليست هناك مساواة بين البشر. مجرّد أن تولد هنا يعني أنك مصاب بكلّ أمراض التاريخ والغابات. تقاتل دفاعاً عن جِلدك، عن روحك وشعبك والذين تحبهم حباً لتبقى حيًّا. لتبقى الحياة تستحق أن نعيشها ما دمنا أبصرنا النور. أو تعيش في شبه مواتٍ كما أفعل الآن على هذا الكرسي، أخترع في رأسي العنيد ألوانًا للأمل وللحرية.

مشهد ثامن:
يجلس على كرسي ويغمض عينيه. يفكّر أن هذا الكرسي يمكن أن يكون كرسي اعتراف أو تعذيب. خلف عينيه صور أخبار العالم العربي. أشلاء أطفال ونساء وسجون. ولَكَم يخاف السجون. لطالما تساءل من أين يأتي بكل هذه القسوة السجَّانون والقتلة المؤمنون بالله والقائد والحزب والأمّة. هو لا يقدر أن يقبل أو يقتل لأي سببٍ كان. يقول لنفسه، لو كان هناك إطار يقاتل من خلاله سلمًا لانتسب إليه وقاتل سلمًا. قبل أيّام حضر فيلمًا عنيفًا (هاكسو ريدج) لميل غيبسون عن بطل حرب لم يحمل بندقية. هو مثل بطل الفيلم وحده أعزلٌ يقاتل أقدار العرب.
(كيف يمكن إبراز مقاتل فردي وسلمي يرسم ربيعًا للعرب ويظهر في آخر الفيلم عجوزًا سعيدًا بدوره الحقيقي وما فعل؟)

قرّاء النهار يتصفّحون الآن

  An-Nahar TV

  1. 1
  2. 2
  3. 3
  4. 4
  5. 5
المزيد من الأخبار

يلفت موقع النهار الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.