رأي

المزيد من عناوين رأي

جديد الأخبار

المزيد من الأخبار
  1. 1
  2. 2
  3. 3
  4. 4
  5. 5
المزيد من الأخبار
رأي

الميثاقية التي يتفاقم خطرها على التعددية اللبنانية


من تظاهرات الحراك المدني. (الأرشيف)

من تظاهرات الحراك المدني. (الأرشيف)
إقرأ هذا الخبر على موقع النّهار: www.annahar.com/article/539984

من المفيد أن نربط بين ظروف قيام الدولة الوطنية في أوروبا الغربية خلال القرن التاسع عشر كضرورة تاريخية لإدارة وحماية السوق القومية التي لا يستمر نمو رأسمالية الصناعة والتجارة والقدرات الحربية من دونها من جهة وبين ظروف تفكك الامبراطورية العثمانية وما أدت اليه من تحكم الدول الأوروبية المنتصرة في الحرب العالمية الأولى بتقسيم ولاياتها في المشرق العربي الى دول منها دولة لبنان من جهة، أخرى. وقد راعت الدول المنتصرة تلك في رسم حدود الدول العربية المشرقية التكوينات الديموغرافية والاجتماعية الى جانب المزايا الاستراتيجية لأسواقها ولمواقعها من فلسطين وقدسها ومن خليج النفط. فراعت في نظام حكم الأردن الملكية الوراثية حيث تغلب بداوة القبائل وفي حكم العراق وسوريا النظام الجمهوري البرلماني حيث تغلب الأطر الأهلية التقليدية وراعت في حكم لبنان مصالحها في استثمار موقعه وامتداداته الطوائفية الاقليمية الى جانب إرضاء البابوية والكنيسة المارونية.

 

وفي هذا السياق التاريخي لقيام الدولة الوطنية الذي بدأ بقيام الوحدات القومية في اوروبا خلال القرن التاسع عشر وانتهى في المشرق العربي، خلال النصف الأول من القرن العشرين، الى قيام دول وطنية في ظل سلطات انتدابية فرنسية وانكليزية، اعتُمد في لبنان نظام برلماني يقوم على دستور تغلب فيه مواد الحكم المدني التنافسي في النصوص الفرنسية الى جانب مواد ومقدمة تُؤكد على مبدئية العيش المشترك بين الطوائف. وهي مبدئية كانت قد ترسخت منذ مئات السنين في قلوب ووجدانات الجماعات اللبنانية في قرى جبال لبنان وفي حارات حواضره.
وجاء زعماء الطوائف ومؤسسو الكيان ليُحمّلوا صيغة العيش المشترك الأوجه المشرعنة لتوافقاتهم في مجال التشريع للحكم الذي يضمن حماية نفوذهم وضبط تقاسم مراتب السلطة والقرار بينهم.
تشريع يُعمّدهم ممثلين وحيدين لطوائفهم لا فرص لمعارضات لهم داخلها بفضل ما يتوفر لهم في الدولة من فرص التفرد بالمغانم التي تُتيح تجديد زعاماتهم بفضل منهج الزبائنية في تنفيع ناخبيهم. وهذا ما مكّنهم ويمكنهم من فرض اعتراضهم، بذريعة احترام المساواة بين حقوق الطوائف في العيش المشترك. واعتبارهم ان أي تغيير وخاصة في قانون الانتخاب الذي سبق ورسموه لضمان فوز لوائحهم، يمكن ان يُؤدي الى خسارة في مقاعدهم يُهدد ميثاق العيش المشترك.


وجدير بالتذكير أن النجاحات المتوارثة في تمثيل النواب غالباً ما تعتمد على مصادر متعارضة من الدعم الاقليمي تعارضا يمكنهم من ترسيخ حضورهم ومن تعديل ولاءاتهم مقابل أي تغير يطرأ على ارتباطاتهم الخارجية. لقد تمكنت زعامات الطوائف على امتداد نصف قرن، وخلال الحرب الداخلية - الخارجية التي شاركت في ادارتها، وبسلاح ميليشياتها، من خلق تيارات وأجهزة ومفاتيح لنهج زبائنيتها بعد فرض تحكمهم في ادارة ومؤسسات الدولة مما أدى الى نوع من اللامركزية المشرعنة في مركزية مجلس الوزراء. وانعكس ذلك في اغراء الكثير من النخب المتنورة الليبرالية واليسارية للتحول عن احراجها في آداء زبائنيتها.


لقد تحولت النيابة الميليشياوية غالباً الى إمارة تحمي القدسية المطلقة لتراث المذهب وشعائره. ولما كانت قدسيات المذاهب مطلقة وكانت سلطة الدولة على مواردها محدودة كان من الطبيعي أن يضطر اصحاب المذاهب في النيابة والوزارة الى تسليط الميثاق على الدستور والمؤسسات بما يدعم شرعية تمثيلهم لمذاهبهم والى تخفيف ارتباط نواب الأقليات المذهبية في دوائر معينة داخل كتل لأكثريات طائفية أخرى واستعادتهم الى بيوت الطاعة لزعامات طوائفهم عن طريق تعديل تقطيع الدوائر. إن اللجوء الى تصفية ما يُمكن ان نُسمّيه بـ"النواب الذميين" وتغيير حدود الدوائر يرفع حرارة المواجهات بين زعماء الكتل الطائفية ولا سيما بينهم من كان يُفصّل تقسيم الدوائر على مقاسهم فيتوفر لديهم أكثر من نائب ذمي ومطيع بالمنطق الطائفي.
وهنا يكون التشريع الميثاقي في شرعنة التقسيم والتحاصص النيابي والسلطوي قد بلغ مأزقه بعد أن جهدت كل زعامة في دوائر اكثرياتها المذهبية، وعلى امتداد بضع عشرات من السنين، على قصر زبائنيتها داخل قواعد دوائر أكثرياتها المذهبية فارتبط ولاؤها لزعامتها ولم يعد في الواقع لنواب الأقليات من الحضور والنفوذ يشد اليه ناخبيهم ويبقى تجديد انتخابهم رهين ولاءاتهم لزعماء الكتل في دوائرهم من غير طوائفهم.


في مثل هذا المأزق البليغ للحكم الميثاقي الذي استعصى حله خارج الرعايات الاقليمية والدولية في طائف السعودية أولاً وفي الشام على امتداد ربع قرن من قبل ومن ثمّ في دوحة قطرمن بعد، يكاد السؤال الخبيث يقفز الى الذهن البسيط وهو هل يبقى غير التدخل الروسي لوضع دستور ونظام تأسيسي يُعيد للبرلمانية الجمهورية ولليبرالية الأوروبية التي تُرجمت مضامينها الى تشريعاتنا ويعيد الاعتبار لحلم المواطنية في أولوية العيش المدني والهوية اللبنانية؟
لقد استهون الزعماء اللبنانيون مذهبة التمثيل وباتوا "مقدسين" لدى زبائنهم المنتفعين منهم والموعودين بالتنفع، وصارت تشاركات ما أحبوا تسميته بـ"العيش المشترك" بين قواعدهم المتعايشة، رغم اختلاف الشرائع والشعائر في حقول القرى وأحياء المدن وضواحيها، منذ مئات السنين قبل زعاماتهم، هي التشاركات الانسانية التي لطالما رهنوا عفويتها واشعلوا الفتن بينها فتحولت الى تشاركات مُلغّمة تهدد أحجام كتلهم وحصصهم في الحكم والادارة وتهدد بالضرورة توافقاتهم الميثاقية. وبعد هل يعلم مؤسسو الكيان ممن انتقلوا الى رحمة ربهم ماذا حلّ بميثاق دولتهم بعد قرن على الأقل؟
لذلك لا بدّ من:


- الترحم على بشارة الخوري الذي اعتبر "لبنان أسرة واحدة".
- والترحم على رياض الصلح على ما سمّاه "الخطة القومية الحميمة التي قامت على الإلفة والاتحاد العميق بين عناصر الأمة".
- وعلى ميشال شيحا الذي حلم "بعمق حقيقة لبنان، محاولة جميلة وشريفة للمساكنة السلمية ما بين الأديان...".
- وعلى كمال جنبلاط الذي لم تقتصر زعامته على الدروز ومسيحيي دائرته، في قوله: "هذا التناقض الذي نراه قد يكون ظاهرة الحياة... و لا بد من ربط التباين في كل حين في سمط عقد الوجود، كما تنسجم وتندرج حبات اللآلئ في العقد الفريد...".
- وعلى السيد موسى الصدر في قوله: "ان لم يكن هناك دولة بإسم لبنان في الشرق الأوسط فإنه يجب خلق مثل هذه الدولة لتصبح مكاناً للحوار والتعايش بين الحضارات والثقافات المختلفة في المنطقة...".
- وعلى رشيد كرامي في قوله: "... إن هذا البلد هو بلد المحبة والتسامح والإخاء والميثاق الوطني هو نهجنا وسبيلنا...".
- وعلى بيار الجميّل في قوله: "... إن الصيغة كما هي تعني... أن تحقق في لبنان ما لم يتحقق بعد في أي بلد...".
- وعلى صائب سلام في قوله: "لبنان لا يُساس بحكم الأرقام ولا يستقيم أمره وتُبنى حياته الوطنية إلاّ بروح القناعة المشتركة...".
- وعلى تقي الدين الصلح في قوله: "لبنان لا يمكن أن يكون ما لم يكن متعدد العقائد والتيارات والأحزاب والمذاهب والديانات...".
- وعلى غسان تويني في قوله: "الحرية لا تحتاج الى لبنان لأن لا حريات بدونه كما لا لبنان بدون حرية...".
- وعلى رفيق الحريري في قوله: "ان لبنان لا يُحكم إلاّ بالتوافق...".
- وعلى الشيخ محمد مهدي شمس الدين في قوله: "لا لبنان من دون مسيحيين كما لا لبنان من دون مسلمين... وهو يكتمل بهم جميعاً ومعاً..." ( ).
بعد هذا العرض المقتضب جدا لرؤى المؤسسين للصيغة اللبنانية وبعد العرض التاريخي لما اصابها من رُؤى الأحياء من زعماء الطوائف يبقى السؤال عمّا يّنقذ التعددية والدستور من هيمنة ميثاقياتهم.

 

قرّاء النهار يتصفّحون الآن

  An-Nahar TV

  1. 1
  2. 2
  3. 3
  4. 4
  5. 5
المزيد من الأخبار

يلفت موقع النهار الألكتروني إلى أنّه ليس مسؤولًا عن التعليقات التي ترده ويأمل من القرّاء الكرام الحفاظ على احترام الأصول واللياقات في التعبير.

عاجل