لم تبدأ معركة كبيرة جديدة في تركيا خلال الأسابيع الأخيرة انطلاقا من اعتصام "ساحة تقسيم". إنما الذي بدأ هو مسار جديد لا معركة جديدة.
الفارق كبير وربما أول الذين يمكن أن يفوتهم التمييزُ بين الأمرين بسبب "فائض القوة" الحقيقي، الشعبي والسياسي، الذي يتمتع به، بل يملكه، هو زعيم تركيا الحالية ورجلها الأول والشخصية الأكثر تأثيراً فيها عبر حزبه، "حزب العدالة والتنمية" (AKP)، لا فقط في السنوات العشر الأخيرة بل منذ رحيل مؤسّس الجمهورية مصطفى كمال أتاتورك.
عادةً رجال الدولة الذين قادوا تغييرا في شخصية النظام السياسي لبلدهم من الصعب جدا أن يقبلوا اتهامهم بـ"نقص معرفتهم" بتحوّلات بلدهم الاجتماعية. هذا هو عموما ما يحدث في الانتقال بين الأجيال. وغالبا ما يصبح رجل الدولة "المؤسّس" أسير عدم تقديره والأرجح عدم فهمه هو...لمن؟ للجيل الجديد الذي ساهم في إطلاقه بل في "صناعته".
لقد تبدّدت اعتصامات "تقسيم" الآن بقوة الشرطة. لكنّ الذي ظهر من التجربة الأخيرة أن النخبة الثقافية – وهي أصوات لا تملك الشعبية وإنما الاحترام- بدت، ولا تزال، مصدومةً من نوع "اللغة" التي استخدمها ويستخدمها رجب طيّب أردوغان حيال ما جرى. الاستخدام الأمني في تفريق الاعتصامات لا يحمل مفاجأة كبيرة. ولكي نكون دقيقين لم تخرج وسائل قمع الحشود عن معايير "القمع المدني" حتى الآن رغم سقوط أربعة قتلى بحصيلة المواجهات في كل تركيا وهذا رقم "كبير" أوروبياً.
المفاجأة منذ اللحظة الأولى لبدء الأحداث كانت في لغة رجب طيّب أردوغان. وقد قيل أن كلامه يشبه "مواقف الحكام العرب" في وصف المسار باعتباره "مؤامرة" داخلية وخارجية وعمل "رعاع" و"لصوص" و"مخرّبين" و"اقلية"... لكن ليس الحكام العرب الجدد من أصدقائه "الإخوانيين" وإنما القدماء العسكريون.
كثيرون في العالم، بل يمكننا القول أن الكثير من "نخب العالم" السياسية والاقتصادية والفنية لم تستهجن فقط "قاموس" رئيس الوزراء التركي بل تعاطفت أساساً مع "ظاهرة تقسيم" في نقطة هي الأكثر جوهرية لم يعترف بها أردوغان ويبدو أنه غير قادر على الاعتراف بها: إنها حقيقة أن هذه الاعتراضات الشبابية في "تقسيم" وامتداداتها هي نتيجة الحداثة التركية لا العكس. نتيجة التقدم التركي لا العكس. نتيجة الآفاق والمتطلبات التي بلغَتْها هذه الحداثة التركية في حصيلتها السياسية الاقتصادية الثقافية.
لم يكن محتجّو "تقسيم" وأنصارهم مجرد بقايا أتاتوركيين يرفضون من موقع تقليدي هذا النوع من "الأسلمة" للحياة العامة التركية. بل كانوا يقولون ما لم تسمعْهُ وربما لم تفهمْهُ هذه الشخصية التاريخية في الجمهورية التركية وهو رجب طيّب أردوغان:
كانوا يقولون أن الحداثة التركية وصلتْ إلى الحد الأقصى الذي يمكن أن تتيحهُ أو تقبلهُ من "الإسلاميين". تماما ولكن بشكلٍ معكوس كما كانت المؤسسة العسكرية والطبقة العلمانية التقليدية في التسعينات غير قابلتين وغير فاهمتين لضرورة توسيع التمثيل السياسي ليشمل قطاعا كبيرا متديّناً من المجتمع كانت تقصيه الدولة العلمانية بصيغتها "السابقة". يبدو أن احتجاجات "تقسيم" هي أول إعلان عن بلوغ "الأسلمة" حدا غير مقبول في استبعاده لمكوّنات عريضة جدا من المجتمع التركي حتى لو لم تصبح أكثرية انتخابية للآن. ومع صعوبات المقارنة بين السياقين السلمي والعنفي للتاريخين المعاصرين في إيران وتركيا، يمكن وضع المقارنة التالية: الثورة لإسلامية التي حدثت عام 1979 في إيران جاءت نتيجة الإمعان الشاهنشاهي بتجاهل الشخصية الدينية العميقة للمجتمع الإيراني. ومشاكل النظام الإيراني الحالية والتي انفجرت سابقا هي اليوم نتيجة تجاهل النظام الديني لمتطلبات المكون العلماني العميق للطبقة الوسطى الشابة في المدن الإيرانية. هكذا بصورة ما هو التيار الذي انطلق في "تقسيم": إعلان عن تململ على الخط الأحمر من فئات شابة في الطبقة الوسطى التركية لتمادي "حزب العدالة والتنمية" في تجاهل المكون العلماني للمجتمع. لا العلماني القديم وإنما العلماني الجديد. وهنا كما يظن عديدون في تركيا يقف رجب طيّب أردوغان غير قادرٍ على الاستيعاب الإيجابي لـِ"الرسالة" التي قال رفيقه رئيس الجمهورية عبدالله غول أنها "وصلت".
عندما أتكلم عن انتقال "حزب العدالة والتنمية"، الذي يبدو أن أردوغان يسيطر عليه بقبضة قوية خلافا لبعض التكهنات، من حالة تاريخية "تقدمية" في الاقتصاد والسياسة عبّر عنها وجاءت به عام 2002، إلى حالة أو بدء "حالة رجعية" فهذه دينامية تتصل شرايينها غير المنظورة بالسياستين الخارجية والداخلية معا. هكذا يتصل المطلب البيئي بمواجهةِ رأسماليةٍ في أقصى ليبراليتها أي "توحشها" في ظل "الإسلاميين" الذين يقودونها بنجاح منذ عشر سنوات إلى آفاق "نمرية"(من نِمْر) عالمية.
وهكذا يصبح مطلب "استعادة الاسطنبوليين لمدينتهم" كما كتب أورهان باموك خلال الأحداث هو الشكل الإنساني للاعتراض لا على الحداثة بل على تطرفّها في ما يمس ما أصبح قيمة عالمية في الثقافة البيئية للمدن الكبرى المتقدمة. وهكذا تصبح تسمية جسر جديد ضروري لمواصلات اسطنبول المرعبة في اختناقها أمرا متصلا بحصيلة تطور الديموقراطية التركية الداخلية. إنه تطورٌ جعل الوعيَ الجَماعي المتبلور في العقود الأخيرة للعلويين الأتراك والأكراد والعرب والألبان داخل تركيا حاملاً لسقف من المطالب الديموقراطية تجد السلطة الحاكمة نفسها، بل الحداثة التركية في مداها الحالي، عاجزةً عن تلبيتها بسبب إرث تقاليد السنية العميقة للدولة التركية التاريخية على الرغم من التطور السياسي الإيجابي في الموضوع الشاق التقليدي وهو الموضوع الكردي لكنْ الذي لا يزال نظريا ولم "يتمأسس" ودون ذلك مصاعب دستورية وسياسية جمة.
وهكذا، إذاً، يصبح جسرٌ إنمائيٌّ في اسطنبول متصلا بقلق عام من السياسة الخارجية المتجهة بل المنخرطة في الشرق العربي ولاسيما سوريا بل مَثاراً إضافيا لهذاالقلق الذي يجمع فئات واسعة سنية وعلوية تعودت استقرارا أمنيا عسكريا خارجيا لتركيا منذ ما قبل الحرب العالمية الثانية حتى في أسوأ سنوات التوتر مع اليونان منذ انتهت المواجهة الفجائعية بينهما في العشرينات من القرن المنصرم. وكان تفجير "الريحانية" جرس إنذارٍ لشيئ أكبر يمكن أن يحدث. إلى كل ذلك "تَعَبُ" السلطة المديدة نفسها والتي تجاوزت العشر سنوات.
لم ترسم أحداث "تقسيم" سقفاً لـ"الأسلمة" أو الأدق للعودة إلى "الأسلمة" في تركيا التي أسماها باحثون ألمان واسكندينافيون "كالفينية إسلامية" (من البروتستانتي كالفن)، فحسب، بل رسمت سقفا عالياً للحداثة التركية، الشباب في "تقسيم" أطلقوا صيحته.
هذا هو الجوهري. عدا ذلك من وجود تنظيمات يسارية "متطرفة" يتاجر بنشاطها حاليا رجب طيّب أردوغان ومواصلا معها "هوايته" الرديئة في صيد الصحافيين كثعالب مخربة، وهي هواية موروثة عن العهد العسكري السابق، ومن "استغلال" حزب الشعب الجمهوري للأحداث وضغط بعض مؤسسات الاتحاد الأروبي "المشبوهة" بنظره... كل ذلك لن يغيّر من حقيقة جوهريةِ هذه الأحداث. فـ"زعران" ساحة "تقسيم" ليسوا أكثر زعرنة ويسارية من "زعران" "السان جرمان" والحي اللاتيني في باريس 1968 ولا أقل شجاعة من "صبيان" ميدان التحرير" في قاهرة 2011 ولا أقل أقلاوية عددية من طلاب ساحات سيول الثمانينات في كوريا ولا أكثر عزلةً من طلاب ساحة تيان إن مين في بكين 1989. كل هذه الأحداث، وغيرها، التي قُمِعتْ بنجاح أمني (بمعزل عن درجة العنف) تحوّلت إلى نقطة تحوّلٍ في دفع بلدانها نحو التغيير البنيوي بما فيه بدء دور الجيل الثاني في الصين التي شهدت منذ الخريف الماضي، أي خلال عشرين عاماً، وصول الجيل الرابع في قيادة الحزب الشيوعي الصيني.
نبض