الجماعات التي تُجيَّش بالسهولة التي نُجيَّش بها، لا تستأهل جيشاً. والجماعات التي تؤمن بالعبور على الدولة لا إلى الدولة، لا تستأهل دولة. لـ"نُصرة ناصر" في الخمسينات... نموت. ونموت من أجل " ثورة حتى النصر" العرفاتيّة. ونموت أيضاً مؤازرة أو محاربة للأنظمة البعثيّة العبثيّة. وفي عهد التبرير بعد ملحمة التحرير، يبقى لنا أن نموت من أجل المزارع والقرى وفلسطين والجولان، ونستشهد في سبيل محور الممانعة، لتنظيفه بدمائنا من التكفيريين والجهاديين والصحويين... نحن اللبنانيين الأشاوس! " شو ما في غير طنسى بهالشرق؟".
"أمير كوستوريكا" يتناول في فيلمه "تحت الأرض" تاريخ ما كان يُعرف بيوغوسلافيا، منذ بداية الحرب الثانية، وصولاً إلى الحروب التي فتتتها. في هذا الفيلم الخيالي – الواقعي (والاثنان قد يتزاوجان أحياناً)، وخلال الاحتلال النازي، أنزلت السلطات المقاوِمة قرية بكاملها إلى ملجأ كبير تحت الأرض، حوّلته إلى مشغل لتصنع فيه السّلاح لمقاوميها، وعزلته تماماً عن الخارج. وعندما انتهت المعارك بهزيمة هتلر، رأى القادة المحليون ان يُبقوا على سكان هذه القرية تحت الأرض، يُصنّعون الأسلحة لأنها تجارة مربحة، فأخفوا عنهم نهاية الحرب، وجهزوا الملجأ بمكبّرات تبثّ تسجيلات لمؤثرات صوتيّة وكأنّ الحرب لا تزال قائمة، من صفّارات إنذار إلى أزيز طائرات مُغيرة إلى انفجارات وتبادل رصاص... وما إلى ذلك من صخب وإيقاعات الحروب.
دام حال تلك القرية المقاومة عقوداً، تعمل وتنتج، وأولادها يتزوّجون ويُنجبون تحت الأرض. وفي الستينات، وخلال احتفال بعرس أحد أبنائها، دارت الكؤوس وطارت الرّؤوس، وصعد العريس المبتهج على متن دبّابة. أدارها واقتحم عن غير قصد حائطاً من الملجأ، يتبعه المحتفلون، فوجدوا انفسهم في الخارج في عالم ينعم بالسّلام، وقد طوى تاريخ النازيّة منذ عقود... وتملكهم الذهول بعدما أضاعوا عشرات السنين لتمويل تجّار فواجر في قارة أركانها اليوم أعداء الأمس: ألمانيا وفرنسا.
هذا، ونحن هنا لا نزال نصدّق أن هناك مؤامرة على الشيعة، فنتدجّج. ولا نزال نصدّق أن هناك مؤامرة على السنّة، فنتجهّد. ولا نزال نصدّق أن هناك مؤامرة على المسيحيّين، فنتلطى خلف هؤلاء أو أولئك... وكلنا تحت الأرض!
أما حان الوقت لأن يقتحم كلّ منا بدبّابته حائط الجهل، وأن يتوقف عن التمثيل في أفلام الآخرين الذين يموت أبطالهم في النهاية، وأن يفهم أن لا مؤامرة على أحد وأنّ على "طنسى الشرق" أن يلتحق أخيراً بجيشه ويبني دولته فوق الأرض... لا تحتها!
نبض